الفصل الخامس

تحديات تواجه النظرية الامامية

نقد فلسفة العصمة

لم تكد نظرية الامامة الالهية تولد حتى واجهت سلسلة من التحديات التي وضعتها على محك الاختبار ، واثبتت استحالتها ، فمن جهة كانت نظرية العصمة التي قامت عليها ، نظرية حادثة مرفوضة من قبل اهل البيت وعموم الشيعة

حيث كانت فلسفة العصمة تقوم على مبدأ الاطلاق في الطاعة لولي الامر وعدم جواز او امكانية النسبية فيها ، وذلك مثل الرد على الامام و رفض اطاعته في المعاصي والمنكرات لو أمر بها ، والاخذ على يده عند ظهور فسقه وانحرافه . وهو المبدأ الذي كان الحكام الامويون المنحرفون يدأبون على ترويجه ومطالبة المسلمين بطاعتهم على اساسه طاعة مطلقة في الخير والشر ، وهو ما اوقع فلاسفة الامامية في شبهة التناقض بين ضرورة طاعة الله الذي يأمر بطاعة اولى الامر في الاية الكريمة :ياايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ، وضرورة طاعة الحكام بصورة مطلقة حتى في المعاصي والمحرمات

لكن هذا الامر لم يثبت من اطلاق الاية الشريفة ، التي قد تفهم ايضا على اساس النسبية ، بل ان هذا ما يوحي به العرف والعقل والايات الاخرى في القرآن الكريم ، التي تؤكد على مبدأ :لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

ومع ان اية (اولي الأمر) كانت تنطبق على اولي الامر والولاة والقادة الذين كان يعينهم الرسول الاكرم في حياته ، فان المسلمين الاوائل لم يكونوا يفهمون منها : معنى الاطلاق ، والطاعة لأولي الامر حتى في المعاصي والمنكرات ، وقد رفضت جماعة من المسلمين كان الرسول الاكرم قد ارسلها في سرية وامر عليها رجلا ، طاعة ذلك الرجل عندما امر الجماعة في وسط الطريق بدخول نار اشعلها ، وطالبهم بالامتثال لأوامره ، وقالوا له: لقد فررنا من النار فكيف ندخل فيها ، وفهموا الطاعة في حدود العرف والعقل والشرع ، وليس خارج ذلك ، وعادوا فأخبروا الرسول بما فعل القائد ، فأقرهم على موقفهم العقلائي ،وحذرهم قائلا: لو دخلتم فيها للبثتم فيها .

وهذا ما يؤيد امكانية الفهم النسبي لآيات القرآن الكريم في حدود العقل والعرف والسيرة والشرع ، وعدم جواز فهمها فهما مطلقا دائما حتى في حالات التعارض مع احكام اخرى عقلية او شرعية .

واذا انتفى الاطلاق وثبتت النسبية في الطاعة لاولي الامر لا تبقى حاجة الى اشتراط العصمة في الامام ، ويمكن للمسلمين انتخاب قائد لهم على اساس العدالة الظاهرية والتقوى والكفاءة ليطبق لهم الدين ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر و اذا انحرف هذا القائد الامام فان لهم الحق في عصيانه ومخالفة اوامره واسقاطه عن منصب الامامة ، ولا طاعة له من الله في اعناقهم .

ولكن المتكلمين الامامية رفضوا النسبية رفضا مطلقا وأصروا على مفهوم الاطلاق من الاية ، ولذلك بنوا نظريتهم في العصمة على هذا الاساس ، ثم اقاموا سائر المقولات على قاعدة العصمة

 

موقف اهل البيت من العصمة

وكانت المشكلة الكبرى التي واجهت الفلاسفة الامامية في عملية بناء نظرية الامامة الالهية وتركيبها على أئمة اهل البيت ، تكمن في موقف اهل البيت انفسهم من نظرية­ العصمة حيث كانوا يرفضونها اشد الرفض ، ويصرحون امام الجماهير بأنهم اناس عاديون قد يخطؤن وقد يصيبون وانهم ليسوا معصومين من الذنوب ، ويطالبون الناس بنقدهم وارشادهم واتخاذ موقف المعارضة منهم لو صدر منهم اي خطأ او امروا بمنكر لا سمح الله . وهذا هو الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب يقف في مسجد الكوفة ويخاطب الجموع قائلا­·

ـ ان من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه ان يصغر عنده لعظم ذلك كل ماسواه ، وان احق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ولطف احسانه اليه فانه لم تعظم نعمة الله على احد الا زاد حق الله عليه عظما . وان من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس ان يظن بهم حب الفخر ويوضع امرهم على الكبر ، وقد كرهت ان يكون جال في ظنكم اني احب الاطراء واستماع الثناء ، ولست بحمد الله كذلك ، ولو كنت احب ان يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو احق به من العظمة والكبرياء . وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء ، لاخراجي نفسي الى الله واليكم من البقية في حقوق لم افرغ من ادائها وفرائض لا بد من امضائها . فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند اهل البادرة ولا

تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فانه من استثقل الحق ان يقال له او العدل ان يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه .. فلا تكفوا عن مقالة بحق او مشورة بعدل ،فاني لست في نفسي بفوق ان اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، الا ان يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني . فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من انفسنا ، واخرجنا مما كنا فيه الى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى واعطانا البصيرة بعد العمى

وفي خطبة اخرى يتحدث فيها الامام اميرالمؤمنين عن الخارجي الخريت ابن ناجية ومحاولاته السابقة لدفع الامام لقتل واعتقال عدد من زعماء المعارضة ، وقول الامام له ولعموم الناس ان من واجبهم الوقوف امامه ومنعه اذا أراد هو ان يفعل ذلك ، والقول له : ·اتق الله

ولم يكن الامام علي ليقول لهم ذلك لو كان هناك اي حديث عن العصمة في اوساط الائمة والشيعة والمسلمين ، وذلك لان هالة العصمة تحتم ان يضع الامام نفسه فوق النقد وأن يحرم المعارضة او التجرؤ بتوجيه النصح والمشورة ، وهذا ما لم يكن يفعله الامام علي الذي ضرب اروع الامثلة في التواضع والمساواة .. ومطالبة اصحابه بأداء دورهم السياسي في مراقبة الامام وتقويمه .

ويقول في دعاء له : · اللهم اغفر لي ما انت اعلم به مني ، فان عدت فعد علي¹ بالمغفرة . اللهم اغفر لي ما وأيت من نفسي ، ولم تجد له وفاء عندي . اللهم اغفر لي ما تقربت به اليك بلساني ، ثم خالفه قلبي . اللهم اغفر لي رمزات الالحاظ وسقطات الالفاظ وشهوات الجنان وهفوات اللسان

ويستعرض الامام اميرالمؤمنين في مكان آخر صفات الحاكم وشروطه فلايذكر من بينها العصمة ، يقول: · ...انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم وامامة المسلمين : البخيل ، فتكون في اموالهم نهمته ، ولا الجاهل ، فيضلهم بجهله ، ولا الجافي ، فيقطعهم بجفائه ، ولا الحائف للدول ، فيتخذ قوما دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ، ولا المعطل للسنة ، فيهلك الامة

ويقول في خطبة اخرى: · ايها الناس :ان أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه

وينقل الصدوق في أماليه قصة عن فاطمة الزهراء تنافي نظرية العصمة التي كان يقول بها المتكلمون ، ويروي : ان الامام علي بن ابي طالب انفق ذات مرة اموال مزرعة باعها حتى لم يبق لديه درهم واحد ،فاحتجت فاطمة الزهراء على ذلك و امسكت بثوبه ، فنزل جبرئيل واخبر النبي فذهب اليها وقال : ليس لك ان تمسكي بثيابه ولاتضربي على يديه فقالت : اني استغفر الله ولا اعود ابدا .كما يذكر الشريف الرضي في :خصائص الائمة: ان الامام الحسن استعار قطيفة من بيت المال فغضب عليه الامام اميرالمؤمنين وقال له: يا ابا محمد النار.. يا ابامحمد النار .حتى خرج بها

وكذلك لم يشر الامام الحسين الى موضوع العصمة في رسالته التي ارسلها الى اهل الكوفة مع سفيره مسلم بن عقيل ، وانما طرح ضرورة اتصاف الحاكم بشروط التقوى والالتزام بالعمل بالكتاب والدين ، فقال:· فلعمري ..ما الامام الا العامل بالكتاب الحابس نفسه على الله القائم بالقسط والدائن بدين الله

وينقل الامام الباقر حديثا عن رسول الله حول شروط الحاكم فلا يذكر منها العصمة ، يقول: قال رسول الله· لا تصلح امتي الا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله وحلم يملك به غضبه وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم .وفي رواية اخرى: حتى يكون للرعية كالاب الرحيم .مما يشير الى ان الامامة تصلح لعامة الناس بهذه الشروط ‍‌

وقد قال الامام الصادق :والله ما نحن الا عبيد ... ما نقدر على ضر ولا نفع ، ان رحمنا فبرحمته ، وان عذبنا فبذنوبنا ، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة ، وانا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون ومسئولون .. اشهدكم اني امرء ولدني رسول الله وما معي براءة من الله ، ان اطعت رحمني وان عصيته عذبني عذابا شديدا

وهناك روايتان يذكرهما الصدوق في كتابه :عيون اخبار الرضا حول عصمة الانبياء ويقول : ان الامام الرضا تحدث بهما الى علي بن محمد بن الجهم عند المأمون ، ويأول فيهما الايات القرآنية الظاهرة في معصية الانبياء وينزههم عن المعصية ، ولم يذكر الراوي اي حديث من الامام الرضا في هذه المناسبة عن عصمة الائمة ، مما يكشف عن عدم تبني اهل البيت لنظرية العصمة وعدم ظهور احاديث كهذه في تلك الايام الا عند الامامية والغلاة من الشيعة وبصورة سرية ..ولو كان لحديث العصمة اية ارضية عند اهل البيت لتحدث الامام الرضا عنها ، وهو كما يقال كان يتحدث عن الامامة بصراحة وجرأة ولم يكن يخشى الخليفة العباسي المأمون الذي اصبح وليا لعهده ..فلماذا تحدث الامام الرضا فقط عن عصمة الانبياء ولم يتحدث عن عصمة الائمة ؟ ‍

و بالرغم من وضوح موقف اهل البيت من دعوى العصمة ، وتأكيدهم على الطبيعة البشرية العادية ، واستغفارهم لله فان حاولوا الالتفاف على ذلك وقاموا بتأويل الروايات الثابتة والنافية للعصمة ، بأنها : صادرة عن الائمة في مقام التعليم لعامة الناس ، او انها صادرة تقية ، وقاموا الى جانب ذلك برواية مجموعة من الروايات التي تدعي العصمة بصراحة وتشترطها في الامام او الائمة من اهل البيت ، وهي روايات ضعيفة وغامضة وغير ذات دلالة .

هناك حديث مرسل عن الامام زين العابدين ، يقول:· لا يكون الامام منا الا معصوما ، وليست العصمة ظاهرة من ظواهر الخلقة لتعرف بين عامة الناس، وانما هي الاعتصام بحبل الله ، وحبلالله هو القرآن ، والقرآن يهدي الى الامام

وبغض النظر عن مناقشة هذا الحديث ، غير المسند ، المنسوب الى الامام زين العابدين فانه يفسر العصمة بالاعتصام بحبل الله وهو القرآن ، ولم يتحدث عن طوق مفروض من الله حول الامام يمنعه من ارتكاب المعصية كما يقول المتكلمون.

وهناك حديث آخر عن الامام الصادق يفسر المعصوم بانه ­ الممتنع بالله من جميع محارم الله , وقد قال الله تبارك وتعالى : ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم . وهو ما يفيد ايضا نفس معنى الرواية الانفة عن الامام السجاد

هذا وقد روى الصدوق في :اكمال الدين عن سليم بن قيس عن اميرالمؤمنين انه قال: · ان الله طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في ارضه وجعلنا مع القرآن ، وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا¨

وروى ايضا في :عيون اخبار الرضا عن عبدالله بن عباس قال: سمعت رسول الله يقول: · انا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون¨ .

ونقل المجلسي في بحار الانوار عدة احاديث قال انها تنسب الى سليم بن قيس الهلالي ولا توجد في كتابه ، وذكر منها حديثا يقول­· انما الطاعة لله عزوجل ولرسوله ولولاة الامر ، وانما امر بطاعة اولي الامر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية

وهذه الاحاديث لا قيمة علمية لها لانها غير مسندة ولا ثابتة .

و هناك رواية مطولة ينفرد بذكرها الصدوق عن الامام الرضا يتحدث فيها بصراحة امام الخليفة العباسي المأمون­ عن عصمة اهل البيت ، وافضليتهم وخصائصهم

و لكن تلك الرواية ضعيفة السند ، وذلك لأن الصدوق يرويها عن علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب ، المهمل ، و جعفر بن محمد بن مسرور ،المهمل، كذلك ، و الريان بن الصلت ،الضعيف ، الذي كان من اعوان الفضل بن سهل ، وعدم اسناد حديثه الى احد ومن دون ان يدعي الحضور والسماع ، ولذا لم ينقلها احد قبل الصدوق الذي جاء في منتصف القرن الرابع الهجري «واضافة الى ذلك فهي تشتمل على القول بتحريف القرآن حيث تضيف الرواية ­ورهطك المخلصين الى اية ­وانذر عشيرتك الاقربين و تدعي انها محذوفة من القرآن الكريم ، وهذا قول كان يقول به الغلاة وينسبونه الى الائمة ، وكان الائمة دائما يتبرأون منه ويرفضونه . ان الرواية تعتمد على منهج التأويل والتأويل التعسفي في بعض الاحيان ، ومع انها تحاول ان تثبت العصمة والطهارة لاهل البيت وعدم الردة او الرجوع الى الضلال ابدا ، فانها لم تتوقف قليلا لكي تشرح من هم اهل البيت؟..بعد حصرهم باولاد النبي والامام علي بن ابي طالب ، من دون دليل قوي وواضح ، مع ان هؤلاء كانوا مختلفين فيما بينهم وكان اولاد كل امام يصطرعون فيما بينهم ويدعي كل واحد منهم انه الامام والأحق بعد ابيه ، ويتهم الاخرين بالكذب والنفاق والانحراف والضلال، وتكشف الرواية عن محاولات الفلاسفة لتأويل القرآن بما يتلاءم مع نظريتهم الجديدة والغامضة حول عصمة الائمة

موقف الامام الصادق من الامامية

ومما يؤكد موقف الامام الصادق السلبي من المتكلمين الامامية ونظريتهم السرية الناشئة بعيدا عن اهل البيت ، هي احاديث الامام الكثيرة التي يزخر بها تراث الامامية ، والتي يؤولونها باسم التقية ، فقد جاء وفد من شيعة الكوفة وسألوه : يا ابا عبدالله ان اناسا يأتوننا يزعمون ان فيكم اهل البيت امام مفترض الطاعة ؟..فقال لهم : لا ، ما اعرف ذلك في اهل بيتي ، قالوا : يا ابا عبدالله انهم اصحاب تشمير واصحاب خلوة واصحاب ورع ، وهم يزعمون : انك انت هو ؟.. فقال: هم اعلم وما قالوا ، ما امرتهم بهذا