المبحث الثالث:

نظرية ( المرجعية الدينية )

لقي تحالف الشيخ الكركي مع الدولة الصفوية معارضة شديدة من قبل عدد كبير من العلماء كالشهيد الثاني والمقدس الاردبيلي والشيخ إبراهيم القطيفي والملا محمد أمين الاسترابادي والملا محمد طاهر القمي ، وغيرهم من الفقهاء ، وذلك لأن نظرية (النيابة العامة) لم تكن قد تطورت لتحل محل نظرية:(الإمامة الإلهية) وإنما كانت لا تزال محدودة وجزئية ، وتقتصر على الفتيا وتنفيذ بعض الأمور الاجتماعية والاقتصادية والعبادية.

وبالرغم من ان الشهيد الثاني ( 911 - 966) كان قد تقدم في مجال صلاة الجمعة وقال بوجوبها دون حاجة آلي استئذان الأمام في عصر الغيبة ، وانتقد المحقق الكركي على تردده بإيابها واكتفائه بالقول بجوازها مع الفقيه .. وبالرغم من انه قد قال بقوة بنظرية :(النيابة العامة) في مجال القضاء والحدود ، حيث اعتبر · الفقيه منصوبا من قبل الأمام عموما ... ومن ثم تمضي أحكامه ويجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس .. . إلا انه لم يبح للفقيه استلام الخمس وخاصة سهم الأمام ، كما لم يتحدث عن الجهاد ولا إقامة الدولة في (عصر الغيبة) . ومع انه تعاون مع الدولة العثمانية واستلم إدارة المدرسة النورية في بعلبك وذهب آلي اسطنبول عام 951 ، إلا انه لم يعترف بالدولة الصفوية ورفض زيارة إيران .

اما المقدس الاردبيلي ( - 993) الذي كان يقول بنظرية (النيابة العامة) ويميل آلي جواز القتل والجرح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا إذن من الأمام ، ويجيز إقامة المجتهد للحدود ، ويفتي بالوجوب العيني في صلاة الجمعة بلا حاجة لاستئذان الأمام ، ويقول بأولوية دفع الزكاة آلي الفقيه استحبابا .. فانه لم يكن يؤمن بالنيابة العامة آلي درجة إقامة الدولة في (عصر الغيبة) ، ولذا رفض التوجه آلي إيران بالرغم من إلحاح سلاطينها عليه وتعظيمهم له ، وقد عارض الشيخ الكركي في حلية الخراج ، وكتب في تحريمه :(شرح الإرشاد) ولم يكن يرى جواز الجهاد بغير إذن الأمام الخاص في (عصر الغيبة) .

وبالرغم من ان الشيخ بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد ( 953 - 1031) قد اصبح (شيخ الإسلام) في اصفهان زمان الشاه عباس الكبير ، إلا انه لم يكن يعتقد بشرعية الدولة الصفوية وبصلاحية الفقيه لتطبيق الحدود في (عصر الغيبة) بصورة مطلقة ، بحيث تؤدي آلي الجرح أو القتل . 1

 وهكذا كان الشيخ محمد باقر المجلسي ( 1037 - 1111) الذي اصبح في مطلع القرن الثاني عشر الهجري شيخ الإسلام بدار السلطنة الصفوية اصفهان ، ورئيسا فيها بالرئاستين الدينية والدنيوية ، وإماما في الجمعة والجماعة ، وارجع السلطان الشاه سليمان أمور المسلمين واحكام الشرع إليه ، ولكنه لم يتخل نهائيا عن نظرية (التقية والانتظار) ولم يتصدَ لبعض الأبواب المجمدة في عصر الغيبة كالجهاد مثلا .

وبعد حوالي قرن من إقامة الدولة الصفوية والتحالف بين الفقهاء والملوك تراجع السيد محمد علي الطباطبائي ( - 1009) عن نظرية (النيابة العامة) وشكك في ثبوتها ، ولم يتحدث عنها إلا في باب الخمس على تردد . 2

 ومع ان السبزواري ( 1018 - 1090) اعتبر الفقيه نائبا عاما عن الأمام المهدي ، إلا انه تردد بين إعطائه سهم الأمام من الخمس وبين حفظه آلي يوم ظهوره ، ونقل قول المشهور باستحباب حمل الزكاة آلي الفقيه في زمان الغيبة كما في : ( ذخيرة العباد) (3) و (كفاية الأحكام) (4) وهذا ما يدل على ان نظريته في (النيابة العامة ) كانت مقتصرة على الخمس والزكاة ، ولا تشمل سائر الأبواب الحيوية السياسية ، بالرغم من شعوره بالحاجة الماسة لتنصيب ملوك لإدارة الشؤون العامة في (عصر الغيبة) .

و كان الفكر السياسي الشيعي في القرن الثالث عشر الهجري يتذبذب بين نظريتي : الانتظار ، والنيابة العامة ، ولذا فقد قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( - 1227) بنيابة الفقيه العامة عن الإمام المهدي في إقامة الحدود والتعزيرات ، وأجاز له إقامتها في زمان الغيبة واوجب على جميع المكلفين تقويته ومساعدته ومنع المتغلب عليه مع الإمكان ، وامر بتولي المحتهد لسهم الإمام من الخمس في حال الغيبة ، وقال باستحباب نقل الزكاة إليه ، وقام بإعطاء الشاه القاجاري (فتح علي ) إجازة للحكم باسمه باعتباره (نائبا عن الإمام) ولكنه اشترط إذن الإمام أو نائبه الخاص في الجهاد ، وحرم إقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة .

وكذلك فعل الشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266) في :(جواهر الكلام) حيث وسع نظرية :(النيابة العامة) إلى درجة قريبة من (الإمامة ( وقال:· ان المراد من قولهم :· اني قد جعلته عليكم حاكما ونحو ذلك ، مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم ، ولذا جزم فيما سمعته من (المراسم) بتفويضهم (ع) لهم في ذلك . 5

وقال بصراحة:· ان إطلاق أدلة حكومته خصوصا رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (ع) يصيره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم ، نعم من المعلوم اختصاصه في كل ما له من الشرع مدخلية حكما أو موضوعا ، ودعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعها معلومية توليه كثير من الأمور التي لا ترجع إلى الأحكام كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين . ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء ، فانهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المؤيد بمسيس الحاجة إلى ذلك اشد من مسيسها في الأحكام الشرعية . 6

واوجب دفع الزكاة إلى الفقيه لو طلبها في عصر الغيبة · لأنه نائب الإمام كالساعي ، بل أقوى منه لنيابته عنه في جميع ما كان للإمام ، والساعي إنما هو وكيل للإمام في عمل مخصوص . كما ارجع الخمس في زمان الغيبة إلى :· من إليه الحكم بحق النيابة التي جعلها الشارع خاصة في أمثال ذلك . 7

ولكن صاحب الجواهر استثنى مسألة الجهاد وإقامة الدولة في عصر الغيبة ، وأكد · عدم إذن الأئمة بها وببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجة الشيعة إليها في عصر الغيبة ، لأنها تحتاج إلى سلطان وجيوش وامراء ونحو ذلك مما يعلمون قصور اليد عنها في عصر الغيبة وربط بين إمكانية تحقق ذلك وبين حتمية ظهور الإمام المهدي وقيام دولة الحق . 8

ومن الواضح انه كان يبني موقفه في تحديد نظرية (النيابة العامة ) على أرضية (التقية والانتظار) وفلسفة غيبة الإمام المهدي بسبب الخوف وعدم استطاعة القيام ، وحتمية الظهور عند زوال أسباب الغيبة ، و هذا ما دفعه إلى الاستنتاج من استمرار الغيبة وعدم ظهور الإمام : استمرار عوامل العجز والضعف عن إقامة دولة الحق ، وقصور اليد عنها في عصر الغيبة ، وإلا لظهر الإمام المهدي الغائب . ومن هنا فانه لم يكن يجد مجالا للقول بالنيابة العامة السياسية والحلول محل (الإمام) .

 ومنذ ذلك الحين والى اليوم ظل العلماء يتأرجحون بين نظرية الانتظار والنيابة العامة ، ويمارسون أدوارا اجتماعية وشبه سياسية فيما عرف باسم (المرجعية الدينية) التي لا تصل إلى مستوى (الولاية العامة) . وربما كان السيد كاظم اليزدي ( - 1337ه /1919م) افضل نموذج للمرجعية الدينية التي تكتفي بإصدار الأحكام الشرعية والقيام ببعض الأعمال الاجتماعية ، حيث أكد اليزدي في (العروة الوثقى) على نظرية (النيابة العامة) ولكن في مجال الخمس فقط ، فقال:· النصف من الخمس الذي للإمام (عليه السلام) أمره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه ، وهو المجتهد الجامع للشرائط ، فلا بد من الإيصال إليه أو الدفع إلى المستحقين بإذنه . واما النصف الآخر الذي للأصناف الثلاثة فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه ، لكن الاحوط فيه أيضا الدفع إلى المجتهد أو بإذنه ، لأنه اعرف بمواقعه والمرجحات التي ينبغي ملاحظتها . 9

ولكن اليزدي لم يتحدث عن الحدود أو الجهاد أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو صلاة الجمعة أو إقامة الدولة وما شابه من الأمور السياسية الحيوية ، ويبدو انه لم يكن يعتقد بجواز قيام الفقيه بها نيابة عن (الإمام المهدي ) في (عصر الغيبة).