‎‎
حقيقة المقاومة
قراءة في أوراق الحركة السياسية الشيعية في لبنان


عبد المنعم شفيق

الفصل الثاني : من هامش الحياة إلى نسيـجـها
التثويـر قبل الثـورة

دفعت هذه المرارة بعض علماء الشيعة إلى النظر بجدية للواقع اللبناني، كما كان النظر منصرفاً لحال بقية الأمة الشيعية؛ فخلال الفترة السابقة للثورة كانت الأفكار الثورية حول الحكم تتطور وتُفَصَّل في أوساط القوى المعارضة للشاه في عملية ملحوظة من التفاعل الشيعي الشامل. لقد مثلت المدارس الدينية في قم بإيران وفي النجف بالعراق _وخاصة الأخيرة_ دوراً جاذباً ونقطة التقاء للعلماء والفقهاء من إيران ولبنان والعراق؛ حيث أُرسِيَت الأسس من أجل رؤية عالمية مماثلة ـ وإن لم تكن متطابقة تماماً ـ وشبكة من الصداقات الشخصية والولاءات السياسية الدينية التي كان لها أثر هام على المنطقة ككل. كان من بين رجال الدين الشيعة اللبنانيين الذين برزوا من هذه الشبكة الإمام موسى الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله. وقد سبق أولئك النفر جميعاً في الاهتمام بحال الشيعة المتردية والسعي إلى إصلاحها محمد جواد مغنية (1)   الذي كانت علاقاته تشوبها التوتر مع موسى الصدر.
"أما قائمة العلماء الناشطين الآخرين فكانت تضم محمد باقر الصدر الذي تابع تشكيل (حزب الدعوة) في العراق والذي كان الحزب البشير لحركات شيعية أخرى في المنطقة، ومن خلال توليه منصباً تدريسياً في النجف بين عامي 1965، 1978م كان آية الله الخميني وزملاؤه المتمركزون في إيران في قلب هذا المرجل الفكري والسياسي. إن العلاقة بين الإمام الصدر ورجال الدين الشيعة اللبنانيين الآخرين والخميني قد ساعدت في تأسيس الروابط التي سوف تسهِّل فيما بعد دخول إيران الثورية إلى الساحة اللبنانية، وعلى الرغم من الطبيعة الشيعية الخاصة بمدرسة النجف فإن هذه التجمعات ربما تكون بذلك قد ساعدت على التخفيف من حدة الطائفية الضيقة للعقيدة الثورية الجديدة". (2)  
وهكذا فقد مثلت المدارس الشيعية الكبرى بؤراً أساسية لتجميع الملالي وتوحيد الأفكار الثورية، والتي كان على رأسها دولة شيعية كبرى تضم إيران والعراق ولبنان في بداية الأمر. (3)  
وعندما نظر علماء هذه المدارس إلى الحالة اللبنانية التي هي أحد أضلاع مثلث الحلم، كان لا بد من تذليل العقبات الكبرى التي تواجه تحقيق هذا الحلم، وكان التركيز العلاجي متوجه لحل الإشكاليات الخمس السابقة الذكر، وكان ذلك بسلوك خطين متوازيين في وقت واحد، يلتقيان في مرحلة ما فيشكلان نقطة انطلاقة واحدة، وكان الخطان هما: التثوير السياسي، والتثوير العلمي الديني، ثم ينتهيان إلى الثورة المسلحة.


(1) - راجع ترجمة له في: الإسلام الشيعي، ص 190 ـ 192.
(2) - سوريا وإيران: تنافس وتعاون، أحمد خالدي، حسين .ج. آغا، ترجمة: عدنان حسن، دار الكنوز الأدبية، ط 1/1997م، ص 19 ـ 20.
(3) - بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وبعد الإحساس بتوطيد القدم الشيعي بشكل أكبر في لبنان وفي إحراز مكاسب كبيرة للطائفة، كتب أحد أبناء هذه الطائفة يقول: لقد وضعتنا المقاومة الإسلامية وأجبرتنا على التعامل مع "الميدان أولاً" كأساس في الصراع مع الاستبداد والهيمنة والديكتاتورية، الأمر الذي يدفعنا إلى مزيد من العمل على تأكيد مبدأ "الميدان أولاً" لإزالة القمع الممارس ضد أهلنا وشعبنا في العراق. انظر: ماجد الأسدي، حزب الله مشروع لتحرير الأرض والإنسان، جريدة العهد، العدد: 582، 2/6/2000م.


السابق الفهرس التالي