الرئيسية

القسم العربي

 

آل البيت عليهم السلام يستغيثون بالله فبمن تستغيث أنت؟
 

روى ابن بابويه القمي (الملقب بالصدوق) في كتابه (التوحيد ص194) و(الخصال ص593) عن سليمان بن مهران عن الإمام الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ لله عز وجل تسعة وتسعين إسماً - مائة إلا واحداً - من أحصاها دخل الجنة) ثم ذكر أسماء كثيرة منها (الغياث).

يقول الشيخ ابن فهد الحلي في كتابه (عدة الداعي ص307) في تفسير اسم (الغياث) في حق الله تعالى: (معناه المغيث سمي بالمصدر توسعاً لكثرة إغاثته الملهوفين وإجابته دعاء المضطرين).

فيا عجباً .. كيف يُدعى المربوب المحتاج ويُتناسى الرب الذي خلقه فسواه فعدله؟!

كل مسلم يُدرك أنّ الإمام مفتقر إلى خالقه ، خاضع له ، محتاج إليه ، يستغيث به عند الحاجة ، ويرجوه في ليله ونهاره ، فكيف يتوجه العبد إليه بالدعاء والاستغاثة ويترك الوهاب السامع لكل شكوى؟!

لقد ضرب الإمام الصادق مثالاً رائعاً لكل مسلم ، مؤكداً بمثاله هذا أنه (لا يُستغاث إلا بالله تعالى) وأنّ المخلوق ضعيف مربوب خاضع لسلطان هذا الرب العظيم ، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.

روى ابن بابويه القمي في كتابه (التوحيد ص230) عن الحسن العسكري عليه السلام في قول الله عز وجل: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فقال: الله هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من كل من هو دونه ، وتقطع الأسباب من جميع ما سواه، يقول: (بسم الله) أي أستعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلا له ، المغيث إذا استغيث ، والمجيب إذا دعي ، وهو ما قال رجل للصادق عليه السلام: يا بن رسول الله دلني على (الله) ما هو؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني ، فقال له: يا عبد الله، هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم ، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم ، قال: فهل تعلق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على  أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم ، قال الصادق عليه السلام: فذلك الشئ هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي ، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث).

وفي رواية أخرى (الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من هو دونه ، وتقطع الأسباب من كل من سواه وذلك أنّ كل مترئس في هذه الدنيا ومتعظم فيها وإن عظم غناؤه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم ، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها ، فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته حتى إذا كفى همه عاد إلى شركه ، أما تسمع الله عزوجل يقول {قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين. بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} فقال الله عزوجل لعباده: أيها الفقراء إلى رحمتي إني قد ألزمتكم الحاجة إليّ في كل حال ، وذلة العبودية في كل وقت ، فإليّ فافزعوا في كل أمر تأخذون فيه وترجون تمامه وبلوغ غايته ، فإني إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم وإن أردت أن أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم ، فأنا أحق من سئل، وأولى من تضرع إليه ، فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير أو عظيم (بسم الله الرحمن الرحيم) أي أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا يحق العبادة لغيره ، المغيث إذا استغيث ، المجيب إذا دعي)(78).

فتأمل كلام الإمامين الصادق والعسكري لتعلم كم يبتعد عن تعاليم الأئمة وتوحيدهم من يتعلق قلبه بالمخلوقين عند الشدائد فيستغيث بهم حيث لا منجي.

فقد بيّن الإمام الصادق للرجل أنّ المخلص من المحن والشدائد هو الله تعالى قائلاً: (فهل تعلق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم ، قال الصادق عليه السلام: فذلك الشئ هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي ، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث) ، ولم يقل له: إن أصابتك مصيبة فاسأل الزهراء أو اسألني أقضي لك حاجتك.

وتأمل قوله للرجل (فهل تعلق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟) لتعلم أنّ القلب ليس بمأمن من الشرك إن لم يُوطّن على التعلق بالله تعالى ، فأين الذين تتعلق قلوبهم بالمخلوقين (سواء أكانوا أنبياء أو أئمة أو غيرهم من الصالحين) فيذكرونهم عند الشدائد والمحن من الموحد العارف لربه الذي لا يتعلق قلبه عند المحن إلا بربه ، فيناديه ويستغيث به متذلالاً له مستشعراً خضوعه لهذا الرب ومستشعراً قدرة الله تعالى على كشف الضر عنه؟

ولخطورة هذه المسألة كان موقف أهل البيت عليهم السلام تجاهها واضحاً كل الوضوح، لا يختلف عن ذاك الوضوح الذي لمسناه في مسألة (دعاء غير الله).

فهذا الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) يدعو الله تعالى وهو في غاية التذلل له قائلاً: (مولاي مولاي أنت المولى وأنا العبد ، وهل يرحم العبد إلا المولى؟! مولاي مولاي أنت العزيز وأنا الذليل ، وهل يرحم الذليل إلا العزيز؟! مولاي مولاي أنت الخالق وأنا المخلوق ، وهل يرحم المخلوق إلا الخالق؟! مولاي مولاي أنت المعطي وأنا السائل ، وهل يرحم السائل إلا المعطي؟! مولاي مولاي أنت المغيث وأنا المستغيث، وهل يرحم المستغيث إلا المغيث ؟!)(79).

ليعلن بذلك للناس أجمعين ، أنّ الله تعالى هو المغيث وأنّ الإمام لا يملك لنفسه إلا أن يكون مستغيثاً بالله راجياً منه الرحمة والعفو والعطاء والمغفرة.

وهذا الإمام محمد الباقر يخبر عن جدته فاطمة الزهراء فيقول: (إنّ فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله): مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستين يوماً ثم مرضت فاشتدت عليها فكان من دعائها في شكواها: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني ، اللهم زحزحني عن النار، وأدخلني الجنة ، وألحقني بأبي محمد (صلى الله عليه وآله))(80).

فانظر إلى فاطمة الزهراء (سيدة نساء العالمين) بمن تستغيث.

رغم حبها لأبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورجائها من الله أن يُلحقها به ، لم تستغث برسول الله بل بربها ورب أبيها عليه الصلاة والسلام.

وهذا الإمام جعفر الصادق يعلن افتقاره إلى ربه عز وجل فيستغيث به ويرجوه قائلاً: (اللهم إنك تسمع كلامي ، وترى مكاني ، وتعلم سري وعلانيتي ، ولا يخفى عليك شئ من أمري ، وأنا البائس الفقير ، المستغيث المستجير ، الوجل المشفق ، المقر المعترف بذنبه ، أسألك مسألة المسكين ، وأبتهل المذنب الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ، دعاء من خضعت لك رقبته ، وفاضت لك عبرته ، وذل لك خيفته ورغم لك أنفه ، اللهم لا تجعلني بدعائك شقياً ، وكن لي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ، ويا خير المعطين ، والحمد لله رب العالمين)(81).

ويعلّم أتباعه (صلاة الحاجة) فيقول: (إذا مضى ثلث الليل فقم وصل ركعتين بسورة الملك وتنزيل السجدة ثم ادعه وقل: (يا رب قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت الحي القيوم لا تأخذك سنة ولا نوم ، لن يواري عنك ليل داج ولا سماء ذات أبراج ولا أرض ذات مهاد ولا بحر لجي ولا ظلمات بعضها فوق بعض ، يا صريخ الأبرار وغياث المستغيثين برحمتك أستغيث)(82).

فانظر إلى الإمام بمن يستغيث؟ ويدعو إلى الاستغاثة بمن؟

إنه يستغيث بربه عز وجل ، ويدعو أتباعه إلى الاستغاثة بالله تعالى عند الحاجة لا للاستغاثة بالإمام نفسه!

وقد أخبر الإمام الصادق أنّ الاستغاثة بالله تعالى هي سنة الأنبياء من لدن آدم عليه السلام حتى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول الإمام الصادق: (ثلاث تناسخها الأنبياء من آدم (عليه السلام) حتى وصلن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أصبح يقول: (اللهم إني أسألك إيماناً تباشر به قلبي ، ويقيناً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي ، ورضّني بما قسمت لي حتى لا أحب تعجيل ما أخّرت ولا تأخير ما عجّلت ، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً وصلى الله على محمد وآله)(83).

فإذا كان الأنبياء يستغيثون بالله تعالى وآل البيت عليهم السلام يستغيثون بالله تعالى، فبمن تستغيث أنت؟


(78) التوحيد لابن بابويه القمي ص 231

(79) الصحيفة السجادية (جمع الأبطحي) ص 386 (دعاؤه عليه السلام في التذلل)

(80) بحار الأنوار للمجلسي 43/217

(81) بحار الأنوار للمجلسي 91/225

(82) مكارم الأخلاق للطبرسي ص337

(83) الكافي للكليني 2/524 (كتاب الدعاء – باب القول عند الإصباح والإمساء)

  

العودة للفهرس