الرئيسية

القسم العربي

 

الاستغاثة بالزهراء والأئمة أم بخالقهم؟
 

حينما احتاج المسلمون إلى العون في غزوة (بدر) أخبر رب العالمين عن دعائهم قائلاً{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}(84) مع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي بين أظهرهم وكذا الإمام علي وكذا السيدة فاطمة في المدينة، لكنهم مع هذا كله وجهوا نداءهم لله وحده، لأنه لا يملك النفع والضر إلا الله ، فمحمد عليه الصلاة والسلام بشر مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره النفع والضر؟!

قال تعالى مخبراً عن رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم موجهاً الكلام للناس مسلمهم وكافرهم {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادة ربه أحداً} ويقول {قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً إلا بلاغاً من الله ورسالاته}(85) ، فالرسول بشر مبلّغ عن الله ، كرامته وعظمته تتمثلان في اصطفاء الله له من دون سائر البشر واختياره للنبوة وفي أخلاقه وسلوكه وشخصيته التي تمثل الكمال البشري فيها في حب كل أوجهها ولكنه مع كل هذه العظمة لا يملك لنفسه ولا لغيره النفع والضر إلا بمقدار ما يستطيع البشر (بنص القرآن الكريم) ، فكيف بمن هم دونه منزلة عند الله ومن هم دونه فضلاً وعلماً من الأئمة أو الأولياء والصالحين؟

هذا مثال لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، وخذ هذا المثال الآخر لإبراهيم عليه السلام خليل رب العالمين الذي قال الله عنه في القرآن المجيد {قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير}(86)

وذاك المسيح عليه السلام ، النبي العظيم الذي أُجريت على يديه المعجزات العظيمة من خلق بإذن الله وإحياء للموتى بإذن الله يقول عنه رب العالمين حينما زعم النصارى أنه يملك الحساب يوم القيامة وأنه قد فُوض له ذلك من رب العالمين ، وأنه ابن له مع اعترافهم بأنّ الله (الآب) هو أعظم من ذاك الابن المتجسد (المسيح) كما هو منصوص عليه في عقيدتهم ، ماذا أجابهم رب العالمين؟

قال الله تعالى {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نُبيّن  لهم الآيات ثم انظر أنّى يؤفكون . قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك  لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم }(87)

بيّن الله عز وجل أنّ المسيح بشر يأكل الطعام ويحتاج إليه ويحتاج لمن خلقه ، ويصيبه الضر إذا افتقده، فكيف تتوجهون بالدعاء والاستغاثة والنذور والقرابين والذبائح وغيرها من أصناف العبادات لمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، وتتجاهلون الإله الحق السميع العليم الذي يسمع سركم ونجواكم ويعلم ما تخفيه صدوركم؟!

ولذا جاء قول الله عز وجل {قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً . ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير}(88) ليبين أنّ المسيح عليه السلام وأمه مع جلالة قدرهما وعظم منزلتهما إن أراد الله عز وجل أن يهلكهما فلا راد له ولا دافع لعذابه ، فإن كان المسيح وأمه لا يملكان دفع الضر عن نفسيهما فكيف يُتوجه لهم بالدعاء والعبادة؟!

فالأنبياء والأئمة والصالحون لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ، فمن توجه لهم الدعاء أو استغاث بهم فيما لا يقدر عليه بشر  أو نذر لهم وقدّم قرابينه لهم أو ذبح لهم فقد أشرك بالله تعالى.

ولذا رأينا التوجيه القرآني الرائع القائل{فاعلم أنه إله إلا الله واستغفر لذنبك}(89) ولم يقل الله عز وجل (فقل لا إله إلا الله) لأنّ كلمة (لا إله إلا الله) أسهل ما تكون على اللسان، لكن فهم معنى هذه العبارة وتجسيدها على أرض الواقع وتحقيق معانيها هو المراد وهو المطلوب.

كان من السهل على كفار مكة أن يقولوا (لا إله إلا الله) لكنهم أدركوا أنّ المطلوب منهم أكثر من مجرد اللفظ ، فهم يؤمنون بأن الله هو الخالق البارئ كما قال الله تعالى عنهم {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله}(90) ، {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنً الله}(91) لكن كانوا يقيسون الله عز  وجل بملوك زمانهم وغير زمانهم الذين لا يدخل عليهم أحد إلا بوساطة مقرّب عنده !

قالوا: الله عز وجل أعظم وأجل من نطلب منه كذا وكذا ، الله عز وجل عظيم ونحن مذنبون، كيف لنا أن نطلب منه مباشرة ، لا بد من وسطاء فيشفعوا لنا ، أخبر الله عز وجل  عن دعواهم تلك بقوله حكاية عنهم  {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}(92)

أي ما كنا نتوجه لهم بالعبادة (دعاء، نذور، قرابين، ذبائح) إلا ليقربونا إلى الله ، لا ظناً بهم أنهم من خلقنا ورزقنا وينصرنا في الشدائد.

ولكن هل تقبل الله منهم هذا الإيمان؟ وهل نفعهم إقرارهم بهذا الإله الواحد مع إشراكهم معه غيره في الدعاء والعبادة؟!

قال الله تعالى فيهم وفي من يحذو حذوهم {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}(93)، ولذلك أرسل الله عز وجل لهم محمداً عليه الصلاة والسلام ، وشهد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنار حين قاتلوه دفاعاً عن ذاك الشرك ، فإقرارهم بالله لم ينفعهم لما وجهوا العبادة لغيره.

وليس فلان وفلان من الناس بأكرم عند الله من عشيرة رسول الله حتى يُستثنى وتُكتب له براءة من الشرك مع مزاولته للشرك أو اعتقاده له ، فالدين لا محاباة فيه ، وأبو لهب هو عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لما أشرك بالله لم تنفعه تلك القرابة ، فمن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله أو نذر لغير الله أو دعا أهل القبور والعتبات فقد أشرك بالله.

وليس البشر اليوم بأكرم عند الله من قوم نوح عليه السلام لما أشركوا بالله أهلكهم جميعاً ونجا منهم أهل الإيمان وهم قلة ، فالاستشهاد بكثرة من يدعو غير الله ويستغيث بغير الله رغم انتسابه للإسلام اسماً لن يغني من الحق شيئاً ولن يجعل من الشرك توحيداً ، فكم ذم الله عز وجل الكثرة حين تتبنى الضلال فقال{إنّ الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون}(94) ويقول {وما كان أكثرهم مؤمنين}(95) ويقول {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثرهم للحق كارهون}(96) ويقول {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} والآيات في هذا كثيرة جداً.

وانتساب المرء للإسلام شرف له ورفعة ، لكنه حينما يشرك بالله ويتخذ له شركاء يدعوهم في الشدائد  أو في الرخاء فإنّ الله غني عنه وعن عبادته وعن إسلامه.

يقول الله عز وجل {إن تكفروا فإنّ الله غني عنكم}(97) ويقول{إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ الله لغني حميد}(98)

فليس لأحد أن يتمسك بالعنوان ويترك المعاني ، يتمسك بعبارة (لا إله إلا الله) وهو يطعن في معنى هذه الشهادة في كل حركاته وسكناته ، يشرك بالله الليل والنهار ، ويتصور أنّ شهادة (لا إله إلا الله) اللفظية فقط تنجيه من حر النار ومن كفر الدنيا والآخرة !

وقد كنت قد اقتنيت ذات مرة كتاب ( أكسير الدعوات)(99) وهوكتاب أدعية واسع الانتشار  بين الشيعة وقد شدّني في هذا الكتاب عنوان (استغاثة إلى فاطمة عليها السلام) يقول فيه المؤلف: (في البلد الأمين تصلي ركعتين فإذا سلّمت فكبّر الله تعالى ثلاثاً ، وسبّح تسبيح  الزهراء عليها السلام  واسجد وقل مائة مرة ( يا مولاتي يا فاطمة أغيثيني ) ثم ضع خدك الأيمن على الأرض وقل كذلك، ثم عد إلى السجود وقل كذلك، ثم ضع خدك الأيسر على الأرض وقل كذلك، ثم عد إلى السجود وقل كذلك مائة وعشر مرات ، واذكر حاجتك تُقضى بإذن الله )!

فرق بين من يستغيث بمخلوق لا يملك لنفسه الحياة ولا الممات ولا الرزق حتى يهب ذلك لغيره ، وبين من يستغيث بالذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء!
 

(84) سورة الأنفال آية 9

(85) سورة الجن آية 21

(86) سورة الممتحنة آية 4

(87) سورة المائدة آية 75-76

(88) سورة المائدة آية 17

(89) سورة محمد آية 19

(90) سورة الزخرف آية 87

(91) سورة الزمر آية 38

(92) سورة الزمر آية 3

(93) سورة يوسف آية 106

(94) سورة يونس آية 60

(95) سورة الشعراء  آية 8و67و103و121و139و158و174و190

(96) سورة الزخرف آية 78

(97) سورة الزمر آية 7

(98) سورة ابراهيم آية 8

(99) ص410

 

العودة للفهرس