ثالثاً
ـ إستدلاله
بالآية
الثالثة على
ذم الصحابة
والرد عليه في
ذلك:
يستدل
التيجاني
فيما يسميها (
آية الخشوع )
فيقول (( قال
تعالى ( ألم
يأن للذين
آمنوا أن تخشع
قلوبهم لذكر
الله وما نزل
من الحق ولا
يكونوا
كالذين أوتوا
الكتاب فطال
عليهم الأمد
فقست قلوبهم
وكثيرٌ منهم
فاسقون ) صدق
الله العلي
العظيم، وفي
الدر المنثور
لجلال الدين
السيوطي قال:
لما قدم أصحاب
رسول الله (ص)
المدينة
فأصابوا من
لين العيش ما
أصابوا بعدما
كان بهم من
الجهد،
فكأنهم فتروا
عن بعض ما
كانوا عليه (
فعوقبوا )
فنزلت ( ألم
يأن للذين
آمنوا ) وفي
رواية أخرى عن
النبي (ص) أن
الله استبطأ
قلوب
المهاجرين
بعد سبع عشرة
سنة من نزول
القرآن فأنزل
الله ( ألم يأن
للذين آمنوا..)،
وإذا كان
هؤلاء
الصحابة وهم
خيرة الناس
على ما يقوله
أهل السنة
والجماعة، لم
تخشع قلوبهم
لذكر اللـه
وما نزل من
الحـق طيلة
سبعة عشرة
عاماً حتى
استبطأهم
اللـه
وعاتبهم
وحـذرهم من
قسوة القلوب
التي تـجرهم
للفسوق، فـلا
لـوم علـى
المتأخرين
مـن سراة قريش
الذين أسلموا
في السنة
السابعة
للهجرة بعـد
فتح مكة))(1).
1ـ
بالنسبة
للرواية
الأولى التي
ذكرها
التيجاني
نقلاً عن الدر
المنثور
لجلال الدين
السيوطي فهي
رواية عن
الأعمش ولم
ترفع للنبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
إطلاقاً فقد
قال السيوطي
أخرج ابن
المبارك وعبد
الرزاق وابن
المنذر عن
الأعمش قال:
لما قدم أصحاب
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
المدينة
فأصابوا من
لين العيش ما
أصابوا بعد ما
كان بهم من
الجهد،
فكأنهم فتروا
عن بعض ما
كانوا عليه (
فعوتبوا )
فنزلت ( ألم
يأن للذين
آمنوا..) الآية(2)
، فالرواية
موقوفة على
الأعمش وهو
معروف
بالتدليس
بالإضافة
لتفرده بها
وعلى العموم
الرواية ليست
من قول الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
كما ادعـى
التيجاني
إضافة إلى
تحـريف
التيجاني
الرواية،
فبينما
الرواية تقول (
فعوتبوا )
حرفها
لتستقيم مع
كذبه إلى (
فعوقبوا )
فتنبه!...وأما
الرواية
الأخرى التي
أوردها
التيجاني فقد
قال السيوطي
أخرج ابن
مردويه عن أنس
لا أعلمه إلا
مـرفوعاً إلى
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
قال: استبـطأ
اللـه قلوب
المهـاجرين
بعـد سبـع
عشـرة سنة من
نزول القرآن،
فأنزل الله {
ألم يأن للذين
آمنوا أن تخشع
قلوبهم لذكر
الله } الآية(3)
وهذه الرواية
التي أخرجها
ابن مردويه عن
أنس لم أجدها
في جميع كتب
التفسير
المعتمدة
إضافةً
لمخالفتها
للرواية
الصحيحة عن
ابن مسعود فقد
أخرج مسلم في
صحيحه أن ابن
مسعود قال: ما
كان بين
إسلامنا وبين
أن عاتبنا
الله بهذه
الآية { ألم
يأن للذين
أمنوا أن تخشع
قلوبهم لذكر
الله } إلا
أربع سنين ))(4)
بالإضافة إلى
أن ابن مسعود
أقدم إسلاماً
والأعلم
بنزول
القرآن،
فرواية أبن
مردويه شاذة
ومنكرة، فهي
شاذة لأنها
خالفت رواية
ابن مسعود
الأوثق
سنداً،
ومنكرة لتفرد
ابن مردويه في
إخراجها فلا
متابع له ولا
شاهد،
والملاحظ هنا
ان السيوطي
عند تفسيره
لهذه الآية
أورد عشرين
رواية ومن
ضمنها رواية
ابن مسعود
الصحيحة
فَلَمْ يعجب
التيجاني إلا
هاتان
الروايتان
ظناً منه أن
فيها ما يثلب
الصحابة
كاشفاً عن سوء
خبيئته وفساد
طويته ولكن
هيهات،
فاستدلاله
بالسيوطي ليس
حجة له بل عليه
لأن السيوطي
معروف لدى
علماء الحديث
بإيراده
الأحاديث
الضعيفة
والموضوعة
فليس مجرد
الاستدلال
يدل على الصحة.
2ـ
ولو فرضنا أن
الروايتين
اللتين استدل
بهما
التيجاني
صحيحتان
فيكون قول
الله لهم مجرد
عتاب وحث لهم
على زيادة
الخشوع
وديمومة
الخوف من الله
لأن الصحابة
بلا شك ليسوا
معصومين من
الأعراض
البشرية
كالنسيان
والغفلة وقد
ذكرت في
الفقرة
السابقة أن
القرآن نزل
لتربية
الصحابة على
قيادة الدنيا
وليحضهم على
الخير
وينهاهم عن كل
ما فيه شر لهم
وضرر فعن ابن
مسعود قال: إذا
سمعت الله
يقول { يا أيها
الذين آمنوا }
فأوعها سمعك
فإنه خيرٌ
يؤمر به أو شر
ينهى عنه(5)
والآية التي
نحن بصددها
نزلت لتنبيه
الصحابة
وحضهم على
الخشوع
وتنبيههم إلى
أن اليهود
والنصارى قد
طال عليهم
الأمد
فأصيبوا
بقسوة في
قلوبهم فأصبح
الكثير منهم
فاسقون وذلك
ليحذر
المؤمنون
من
هذا الطريق
فيجتنبوه
وهذا بلا شك في
عداد تربية
الصحابة وإلا
إن كان لا يجوز
مجرد عتابهم
فإذاً هم في
عداد
الملائكة
وليسوا في
عداد البشر!
وحتى النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
نزل القرآن
يعاتبه كما في
قصة ابن أم
مكتوم { عبس
وتولى } فإذا
كان عتاب الله
للصحابة ذماً
فماذا بالله
سيقول
التيجاني عن
عتاب الله
للنبي صلى
الله عليه
وآله وسلم؟!
وقـد نـزل
القرآن
لتوجيه النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
فقال اللـه
له { يا أيها
النبي اتق
الله ولا تطع
الكافرين }
وقوله تعالى {
فإن كنت في
شكٍّ مما
أنزلنا إليك
فاسأل الذين
يقرؤون
الكتاب من
قبلك } ( يونس 94)
فماذا سيقول
هذا التيجاني
عن نبي
الرحمة؟! هل
سيقول أن
النبـي صلى
الله عليه
وآله وسلم لم
يتق اللـه
ويشك فيما
أنزل اللـه
إليه؟؟!! أهذا
هـو التفسير
الذي اهتدى
بسببه
التيجاني؟!
بالطبع نعم....
لأن التفسير
إذا لم يكن
مقروناً
بأصـوله التي
حـددها
العلماء
فسيتحول إلى
تفسير أشبه
بتفسير
العقلاء
المجانين؟!
3ـ
وأخيراً أقول
قد مرّ معنا في
الفقرة
السابقة أن
علياً رضي
الله عنه قد
مدح الصحابة
وهو بصدد
تعليم شيعته
وتوبيخهم
وحثهم على
اتخاذ
الصحابة
قدوةً وذلك
حينما قال ((
لقد رأيت
أصحاب محمد صلى
الله عليه
وآله وسلم
فما أرى أحداً
يشبههم منكم
لقد كانوا
يصبحون شعثاً
غبراً وقد
باتوا سجداً
وقياماً
يراوحون بين
جباههم
وخدودهم ...الخ ))(6)
بالإضافة إلى
قول جعفر
الصادق حينما
وصف صحابة
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
بقوله (( ....كانوا
يبكون الليل
والنهار
ويقولون: اقبض
أرواحنا من
قبل أن نأكل
خبز الخمير ))(7)
فإذا كان
الأئمة
أنفسهم يصفون
الصحابة بهذه
الصفات ـ ومن
مصادركم ـ
فكيف يدّعي
هذا الآبق بأن
الصحابة لم
تخشع قلوبهم
لذكر الله (
هكذا! ) وحتـى
ألقم هذا
التيجاني
المهتدي
الحجارة في
فمه وأوقفه عن
مشاغبته في
حـق الصحـابة
الكرام أورد
ما جاء على
لسان ( الإمام
الحادي عشر
المعصوم )
الحسن
العسكري في
تفسير قوله في
حق من يبغض
الصحابة ((.. إن
رجلاً ممن
يبغض آل محمد (
وأصحابه )
الخيرين
وواحداً
منهم (!!) لعذبه
الله عذاباً
لو قسم على مثل
عدد خلق الله
تعالى
لأهلكهم
أجمعين ))(8)
علّق
أيها
التيجاني
المهتدي؟!
(1) ثم اهتديت ص (102،103).
(2) الدر المنثور في تفسير المأثور جـ6 ص (254)
(3) الدر المنثور في تفسير المأثور جـ6 ص (253).
(4) صحيح مسلم مع الشرح جـ18 كتاب التفسير برقم (3027).
(5) الإتقان للسيوطي جـ2 ص (92،93).
(6) راجع ص (20) من كتابنا هذا.
(7) راجع ص (103) من كتابنا هذا.
(8) تفسير الحسن العسكري ص (157) عند قوله تعالى { وقالوا قلوبنا غلف...} الآية (88 البقرة ).