ثانياً
ـ ادعاؤه أن
الصحابة
غيروا في
الصلاة والرد
عليه في ذلك
يقول
التيجاني ((
قال أنس بن
مالك ما عرفت
شيئاً مما كان
على عهد النبي
(ص) قبل
الصلاة، قال
أليس ضيعتم
ما ضيعتم
فيها. وقال
الزهري دخلت
على أنس بن
مالك بدمشق
وهو يبكي فقلت
ما يبكيك فقال:
لا أعرف شيئاً
مما أدركت إلا
هذه الصلاة
وقد ضيعت. وحتى
لا يتوهم أحد
أن التابعين
هم الذين
غيروا ما
غيروا بعد تلك
الفتن
والحروب، أود
ان أذكر بأن
أول من غير سنة
الرسول في
الصلاة هو
خليفة
المسلمين
عثمان بن عفان
وكذلك أم
المؤمنين
عائشة، فقد
أخرج الشيخان
البخاري
ومسلم في
صحيحيهما: أن
رسول الله (ص)
صلى بمنى
ركعتين
وأبوبكر بعده
وعمر بعد أبي
بكر وعثمان
صدراً من
خلافته ثم أن
عثمان صلى بعد
أربعاً. كما
اخرج مسلم في
صحيحه قال
الزهري قلت
لعروة ما بال
عائشة تتم
الصلاة في
السفر؟
قال
أنها تأولت
كما تأول
عثمان ))(1)
1ـ
لقد خلـط هذا
التيجاني بين
حديثين
وجعلهما
حديثاً
واحداً
فالحديث
الأول رواه
مهـدي عن
غيلان عـن أنس
قـال (( ما أعرف
شيئاً مما كان
على عهـد
النبـي صلى
اللـه عليه
وسلم قيـل:
الصـلاة،
قـال: أليس
صنعتم ما
صنعتم فيها ))(2)
والحديث
الثاني عن
عثمان بن أبي
روّاد أخي عبد
العزيز قال: ((
سمعت الزهري
يقـول: دخـلت
علـى أنس بن
مـالك بدمشق
وهو يبكي فقلت:
ما يبكيـك؟
فقـال: لا
أعـرف شيئـاً
ممـا أدركت
إلا هذه
الصلاة وهذه
الصلاة قد
ضيعت ))(3)
2ـ
أما
بالنسبة
لحديث أنس بن
مالك الأول
فإنه قصد من
قـوله ( أليس
صنعتم ما
صنعتم فيها )
أنهم
يؤخرونها حتى
يخرج وقتها
وقـد كان هذا
في زمن الحجاج
وليس زمن
الصحابة كما
زعـم، والذي
خاطب أنس في
هذا الحديث
يقال له أبو
رافع ذكره
أحمد بن حنبل
في روايته
لهذا الحديث
عن عثمان بن
سعد عن أنس
فذكر نحوه ((
فقال أبو
رافـع: يا أبا
حمزة
ولاالصلاة؟
فقال له أنس:
قد علمتم ما
صنع الحجـاج
في الصلاة ))(4)
وروى بن سعد في
الطبقات سبب
قول أنس هذا
القول فأخرج
في ترجمة أنس
من طريق عبد
الرحمن بن
العريان
الحارثي سمعت
ثابتاً
البناني قال ((
كنا مع أنس بن
مالك فأخّر
الحجاج
الصلاة فقام
أنس يريد أن
يكلمه فنهاه
إخوانه شفقةً
عليه منه،
فخرج فركب
دابته فقال
في مسيرة ذلك:
والله ما أعرف
شيئاً مما كنا
عليه على عهد
رسول اللـه صلى
الله عليه
وآله وسلم
إلا شهادة أن
لا إله إلا
اللـه فقال
رجـل: فالصلاة
يا أبا حمزة؟
فقال: قد جعلتم
الظهر عند
المغرب،
أفتلك كانت
صلاة النبي
صلى
الله عليه
وآله وسلم
؟ وأخرجه
ابن أبي عمر في
مسنده من طريق
حماد بن ثابت
مختصراً ))(5)
3ـ
أما
حديث أنس
الآخرالذي
رواه الزهري
فكان في إمارة
الحجاج على
العراق
أيضاً، وقد
قدم أنس لدمشق
لكي يشكوا
الحجاج
للخليفة وهو
إذ ذاك الوليد
بن عبد الملك،
أما المراد
بقول أنس (( لا
أعرف شيئاً
مما أدركت إلا
هذه الصلاة
وقد ضيعت )) أي
بتأخيرها عن
وقتها فقد صح
أن الحجاج
وأميره
الوليد
وغيرهما
كانوا يؤخرون
الصلاة عن
وقتها لما
رواه
عبدالرزاق عن
أبي جريح عن
عطاء قال ((
أخَّر الوليد
الجمعة حتى
أمسى فجئت
وصليت الظهر
قبل أن أجلس ثم
صليت العصر
وأنا جالس
إيماء وهو
يخطب ))(6)
وما رواه أبو
نعيم شيخ
البخاري في
كتاب الصلاة
من طريق أبي
بكربن عتبة
قال (( صليت إلى
جنب أبي جحيفة
فمسّى الحجاج
بالصلاة فقام
أبو جحيفة
فصلى، ومن
طريق ابن عمر
أنه كان يصلي
مع الحجاج
فلما أخّر
الصلاة
ترك أن
يشهدها معه ))(7)،
وأما إطلاق
أنس فلا يفهم
منه أن هذا
موجوداً في
جميع بلاد
الإسلام بل هو
محمول على ما
شاهده من
أمراء الشام
والبصرةخاصة،
وإلا فإنه قدم
المدينة فقال:
ما أنكرت
شيئاً إلا
انكم لا
تقيمون
الصفوف
والسبب فيه
أنه قدم
المدينة وعمر
بن عبد العزيز
أميرها حينئذ
))(8).
4ـ
أما قوله عن
عثمان وعائشة
في أنهما
غيّرا في
الصلاة فأقول:
الصلاة
المقصودة
هناهي في باب
السفر هل تقصر
أم تتم وهذا
الأمر
فيه
خلاف بين أهل
العلم
لمن
له
أدنى إلمام
بالفقه وقد
روي الخلاف
بين الصحابة
أيضاً في ذلك
فروي عن عثمان
وسعد بن أبي
وقاص وابن
مسعود وابن
عمر وعائشة
رضي الله عنهم
الإتمام في
السفر وهو قول
جمهور
الصحابة
والتابعين بل
قد روي عن
عائشة أن رسول
اللـه صلى
الله عليه
وآله وسلم
كان يتم في
السفر ويقصر
وسأل ابن عباس
رجلٌ فقـال:
كنت أتـم
الصلاة فـي
السفر فلم
يأمره
بالإعادة(9)
وقد جاءت
السنة
الدالـة علـى
أن القصـر
رخصـة فـي
السفر وليس
عزيمة لقوله
تعالى { فليس
عليكم جنـاحٌ
أن تقصـروا
مـن الصـلاة
إن خفتم أن
يفتنكم الذين
كفروا } (
النساء ـ 101)
فقـد
أخرج مسلمٌ في
صحيحه عن يعلى
بن أمية قال ((
قلت لعمر بن
الخطاب: ليس
عليكم جناح أن
تقصروا من
الصلاة إن
خفتم أن
يفتنكم الذين
كفروا ـ فقد
أمن الناس
فقال: عجبتُ
مما عجبتَ
منه، فسألت
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
عـن ذلك. فقال:
صدقة تصدق
الله بها
عليكم
فاقبلوا
صدقته ))(10)
واحتج
الشافعي على
عدم الوجوب
بأن المسافر
إذا دخل في
صلاة المقيم
صلّى أربعاً
بالاتفاق ولو
كان فرضه
القصر لم يأتم
مسافر بمقيم(11)
وأما إذا احتج
هذا التيجاني
بقول ابن
مسعود
بالحديث الذي
أخرجه
البخاري
ومسلم عن عبد
الرحمن بن زيد
قال (( صلّى بنا
عثمان بن عفان
رضي الله عنه
بمنىً أربع
ركعات، فقيل
ذلك لعبد الله
بن مسعود رضي
الله عنه
فاسترجع ثم
قال: صليت مع
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
بمنى ركعتين
وصليت مع أبي
بكر رضي الله
عنه ركعتين
وصليت مع عمر
بن الخطاب رضي
الله عنه بمنى
ركعتين فليت
حظي من أربع
ركعات ركعتان
متقبّلتـان ))(12)
فأمـا قول ابن
مسعود ( فليت
حظي من أربع
ركعات ركعتان
متقبِّلتان )
فـ( من ) هنا
للبدلية مثل
قوله تعالى {
أرضيتم
بالحياة
الدنيا من
الآخرة } وهذا
يدل على أنه
كان يرى
الإتمام
جائزاً وإلا
لما كان له حظ
من الأربع ولا
من غيرها
فإنها تكون
فاسدة كلها
وإنما استرجع
ابن مسعود لما
وقع عنده من
مخالفة
الأولى
ويؤيده ما روى
أبو داود (( أن
ابن مسعود صلى
أربعاً فقيل
لـه (( عبت على
عثمان ثـم
صليت أربعاً.
فقال: الخلاف
شر ))(13)
(( وفي رواية
البيهقي ( إني
لأكره الخلاف )
ولأحمد من
حديث أبي ذر
مثل الأول،
وهذا يدل على
أنه لم يكن
يعتقد أن
القصر واجب
كما قال
الحنيفية
ووافقهم
القاضي
اسماعيل من
المالكية وهي
رواية عن مالك
وعن أحمد. قال
ابن قدامة:
المشهور عن
أحمد أنه على
الاختيار
والقصر عنده
أفضل وهو قول
جمهور
الأصحاب
والتابعين ))(14)
وأما إذا
استدل أيضاً
بحديث عائشة
رضي الله عنها
حينما قـالت (
الصلاة أول
مـا فرضت
ركعتين.....)
الحـديث،
وقول عائشة (
فرضت ) أي قدرت
وأدل دليل على
تعيين تأويل
حديث عائشة
هذا كونها
كانت تتم في
السفر(15).
5ـ
ومن هنا نعلم
أن القصر في
السفر هو رخصة
من الله
والإنسان
مخير بين
الأخذ به أو
تركه كسائر
الرخص ونعلم
أيضاً ضحالة
تفكير هذا
التيجاني
الذي زعم أن
الصحابة
غيّروا في
الصلاة فليت
شعري كأن
الصحابة
غيروا صلاة
الصبح
فصلّوها
أربعا! أو
قصروا صلاة
المغرب
فجعلوها ركعة!!؟
وكأنه لم يكن
في يوم من
الأيام من أهل
السنة وهذا
أقرب إلى
اعتقادي لأن
أي سني يعرف
هذه القضية
الفقهية
يقيناً ويعلم
أن الصحابي لم
يكن ليخالف
فعل الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
في أمرٍ فيه
عزيمة فضلاً
عن زوجته.
6ـ
ونأتي الآن
إلى تأويل
عثمان وعائشة
رضي الله
عنهما فقد ذكر
بعض أهل العلم
(( أنهما كانا
يريان أن
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
إنما قصر
لأنه أخذ
بالأيسر على
ذلك لأمته
فأخذا على
أنفسهما
بالشدة ))(16)
، وعن الزهري
قال (( أن عثمان
بن عفان أتم
الصلاة بمنى
من أجل
الأعراب،
لأنهم كثروا
عامئذٍ فصلى
بالناس
أربعاً
ليعلمهم أن
الصلاة أربع ))(17)
وقال ابن حجر
في الفتح (( أن
سبب إتمام
عثمان أنه كان
يرى القصر
مختصاً بمن
كان شاخصاً
سائراً، وأما
من أقام في
مكان في أثناء
سفره فله حكم
المقيم فيتم ))(18)
ثم قال ابن حجر
(( ولا مانع
عندي أن يكون
هذا أصل سبب
الإتمام،
وليس بمعارض
للوجه الذي
اخترته بل
يقويه من حيث
أن حالة
الإقامة في
أثناء السفر
أقرب إلى قياس
الإقامة
المطلقة
عليها بخلاف
السائر وهذا
ما أدى إليه
اجتهاد عثمان
))(19)،
(( وأما عائشة
فقد جاء عنها
سبب الإتمام
صريحاً، وهو
فيما أخرجه
البيهقي من
طريق هشام بن
عروة عن أبيه (
أنها كانت
تصلي في السفر
أربعـاً فقيل
لها: لـو صليت
ركعتين. فقالت:
يا ابن أختي
إنه لا يشق
عليّ ) إسناده
صحيح وهو دالٌ
على أنها
تأولت أن
القصر رخصة،
وأن الإتمام
لمن لا يشق
عليه أفضل ))(20)
أخيراً ـ أقول أن قول هذا الرافضي ( وحتى لا يتوهم أن التابعين هم الذين غيروا...الخ ) في إشـارة لحـديث أنس يظهـر دليلاً آخـر على تدليس هـذا ( الرويبض ) المشين فما دخل رواية أنس بن مالك بما روي عن عثمان وعائشة فالرواية الأولى وضحنا فيها أن التغيير من فعل الحجاج وليس من الصحابة، وأما فعل عثمان وعائشة فقد وضحناه في الفقرة السابقة وبات لدينا أن شيئاً واحداً هو الذي تغير ألا وهو عقل التيجاني؟!
(1) ثم اهتديت ص (109).
(2) صحيح البخاري جـ1 كتاب مواقيت الصلاة ـ باب ـ تضييع الصلاة عن وقتها برقم (506).
(3) المصدر السابق جـ1 برقم (507).
(4) فتح الباري جـ2 ص (17).
(5) فتح الباري جـ2 ص (17 ـ18).
(6) المصدر السابق جـ2 ص (18).
(7) المصدر السابق.
(8) المصدر السابق.
(9) المغني لابن قدامة جـ3 ص (124) تحقيق عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو.
(10) صحيح مسلم بشرح النووي جـ5 كتاب صلاة المسافرين برقم (686).
(11) فتح الباري جـ2 ص (658).
(12) صحيح البخاري جـ1 كتاب تقصير الصلاة برقم (1034).
(13) راجع سنن أبي داود كتاب المناسك ـ باب ـ الصلاة بمنى برقم (1960)، وراجع صحيح سنن أبي داود للألباني برقم (1726).
(14) فتح الباري جـ2 ص (657 ـ 658).
(15) المصدر السابق جـ2 ص (664).
(16) فتح الباري جـ2 ص (665).
(17) راجع سنن أبي داود ـ باب ـ الصلاة بمنى برقم (1964) وراجع صحيح أبي داود برقم ( 1727) وانظر الفتح جـ2 ص (665).
(18) نفس المصدر جـ2 ص (665).
(19) نفس المصدر جـ2 ص (665).
(20) المصدر السابق.