ثالثاً
ـ ادعاؤه أن
الصحابة
يشهدون على
أنفسهم والرد
عليه في ذلك:
يقول
التيجـاني ((
روى أنس بن
مالك أن رسول
اللـه (ص) قال
للأنصار: إنكم
سترون بعدي
أثرة شديدة
فاصبروا حتى
تلقوا اللـه
ورسوله على
الحوض. قال أنس
فلم نصبر.
وعن
العلاء بن
المسيب عن
أبيه قال: لقيت
البراء بن
عازب رضي الله
عنه فقلت طوبى
لك صحبت النبي
(ص) وبايعته
تحت الشجرة،
فقال:يا ابن
أخي إنك لا
تدري ما
أحدثنا بعده.
وإذا كان هذا
الصحابي من
السابقين
الأولين
الذين بايعوا
النبي (ص) تحت
الشجرة، ورضي
عنهم وعلم ما
في قلوبهم
فأثابهم
فتحاً
قريباً، يشهد
على نفسه وعلى
أصحابه بأنهم
أحدثوا بعد
النبي وهذه
الشهادة هي
مصداق ما أخبر
به (ص) وتنبأ به
من أنّ أصحابه
سيحدثون بعده
ويرتدون على
أدبارهم فهل
يمكن لعاقل
بعد هذا أن
يصدق بعدالة
الصحابة كلهم
أجمعين (
أكتعين
أبصعين ) على
ما يقول به أهل
السنة
والجماعة،
والذي يقول
هذا القول
فإنه يخالف
العقل والنقل (!!!)
ولا يبقي
للباحث أي
مقاييس فكرية
يعتمدها
للوصول إلى
الحقيقة ))(1)
، فأقول:
1ـ
لم أجد هذه
الرواية التي
ذكرها
التيجاني
بهذا السياق
بل وجدت
الرواية هذه،
عن الزهري قال:
أخبرني أنس بن
مالك (( أناساً
من الأنصار
قالوا لرسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم ،
حين أفاء الله
على رسوله صلى الله
عليه وآله
وسلم من
أموال هوازن
ما أفاء، فطفق
يعطي رجالاً
من قريش
المائَةَ من
الإِبلِ،
فقالوا: يغفرُ
الله لرسولِ
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم ،
يعطي قريشاً
ويدعنا،
وسيوفنا
تقطرُ من
دمائهم. قال
أنس: فحُدِّثَ
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
بمقالتهم،
فأَرسلَ إلى
الأنصار
فجمعهم في
قُبَّة من
أدم، ولم يدع
معهم أحداً
غيرهم،
فلمَّا
اجتمعوا
جاءهم رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
فقال: ( ما كان
حديث بلغني
عنكم ). قال لهم
فُقهاؤُهم:
أمَّا ذَوُو
آرائِنَا يا
رسول الله فلم
يقولوا
شيئاً،
وأمَّا
أُناسٌ
مِنَّا
حديثةٌ
أسنانهم،
فقالوا: يغفر
الله لرسول
الله صلى الله
عليه وآله
وسلم ، يعطي
قريشاً،
ويترك
الأنصار،
وسيوفنا تقطر
من دماءهم.
فقال رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم :(
إني أعطي
رجالاً حديثٌ
عهدهم
بكُفرٍ، أما
ترْضوْنَ أنْ
يذهب الناس
بالأموال،
وترجعوا إلى
رحالكم
برسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم ،
فواللهِ ما
تنقلبون به
خيرٌ مما
ينقلبون بهِ ).
قالوا: بلى يا
رسول الله قدْ
رضينا، فقال
لهمْ: ( إنكم
ستَروْن بعدى
أثرةً شديدةً
فاصبروا حتى
تلْقَوا الله
تعالى ورسوله
على الحوض ).
قال أنس: فلم
نصبر ))(2)
2ـ
هذا
الحديث كما هو
ظاهر من فضائل
الأنصار
ويظهر حب رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
للأنصار وكيف
لا وهـو قائل: ((
الأنصار لا
يُحِبُّهم
إلا مُؤْمن،
ولا يبغضهم
إلا منافق،
فمن أحبهم
أحبه الله،
ومن أبغضهم
أبغضه الله ))(3)
. ويقول:
(( آية الإيمان
حب الأنصار
وآية النفاق
بغض الأنصار ))(4)،وفي
هذا الحديث
يقول (( أما
ترضون أن يذهب
الناس
بالأموال
وترجعوا إلى
رحالكم برسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم ))
فهل يقول ذلك
إلا لخير
الناس.
3ـ
وقـول أنس (
فلم نصبر ) لا
يعـدو أن يكون
رأيه هو فلا
يقبل أن يجعل
حجـة على جميع
الصحابة
ولعله أخطأ في
قوله، لذلك لم
يلتفت لهذه
الزيادة أي من
شراح الحديث.
4ـ
لا يـجوز
شرعـاً
وعقـلاً أن
يحمـل قول
واحد من
الصحابة لا
يفهم منه
القـدح
أصـلاً لترد
به آيـات
محكمة وكثيرة
في مدح
الصحابة
عموماً ومدح
الأنصار خاصة.
5ـ
وقول الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
في الحديث ((...
فاصبروا حتى
تلقوا الله
ورسوله صلى
الله عليه
وآله وسلم
على الحوض ))
فلا يفهم منه
أنهم إن لم
يصبروا فلن
يلقوا الله
ورسوله صلى
الله عليه
وآله وسلم
على الحوض؟! و (
حتى ) بمنزلة (
إلى ) في
إنتهاء
الغاية
مكانية كانت
أو زمانية ولم
يستخدم أداة
الشرط فيقول (
إن ) صبرتم
ستلقوني على
الحوض حتى
يجعل
التيجاني قول
أنس دليل على
إحداثهم
وانقلابهم
على فرض
التسليم بصحة
وجهة نظر أنس،
هذا إذا ما
أضفنا إلى أن
الحديث في
الأصل مدح
للأنصار وقول
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم هو
الحجة وليس
قول أنس.
6ـ
ولعل انس ذكر
ذلك بسبب موقف
قومه من
الخلافة
ومحاولة
منازعتهم
للمهاجرين في
بداية الأمر
ولعل الذي
يؤكد ذلك ما
رواه أنس عن
أسيد بن حضير،
أن رجـلاً من
الأنصار خـلا
برسول اللـه صلى
الله عليه
وآله وسلم .
فقال: ألا
تستعملني كما
استعملت
فلاناً؟ فقال
(( إنكم ستلقون
بعـدي أثرة.
فاصبروا حتي
تلقونـي على
الحـوض ))(5)
خصوصـاً إذا
عرفنا أن (
الأثرة ) هي:
الاستئثار
والاختصاص
بأمور الدنيا(6).
7ـ
أما بالنسبة
لقول
الصحـابي
البراء بن
عازب ( إنك لا
تدري ما
أحدثنا بعده )
فهو ( يشير إلى
ما وقع لهم من
الحروب
وغيرها فخاف
غائلة ذلك،
وذلك من كمال
فضله )(7)
ومن المعلوم
أن عليا بن أبي
طالب كان أحد
المشاركين في
هذه الحروب
فلا بد أن
يشمله الخطاب
على حد فهم
التيجاني
فيكون ممن
أحدث بعد
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم ،
ولكن الحق
الذي يجب أن
يقال أن
هذين الحديثين
لا يمكن أن
يردّا مجموع
الأدلة
القرآنية
والحديثية في
مدح الصحابة
والرضا عنهم
من الله
سبحانه
ورسوله صلى
الله عليه
وآله وسلم
ووقوعهم في
الأخطاء لا
ينفي فضلهم
وطهارتهم
الظاهرية
والباطنية
فاحتجاج
التيجاني
بمثل هذه
الأقوال على
الطعن في عموم
الصحابة مثله
كمثل من يصد
صاروخاً
بترس؟!
----------------------------------
(1) ثم اهتديت ص (111).
(2) صحيح البخاري كتاب فرض الخمس برقم (2978) ، جـ3.
(3) صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة برقم (3572) عن البراء بن عازب.
(4) صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة برقم (3573) عن أنس بن مالك!
(5) صحيح مسلم مع الشرح كتاب الإمارة ـ باب ـ الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم برقم (1845).
(6) شرح مسلم جـ12 ص (331).
(7) الفتح جـ7 ص (516).