ثالثاً:
موقفه من أبي
بكر في مبحث
محاورة مع
عالم والرد
عليه في ذلك:
يبدأ التيجاني محاورته مع من يدعي أنه عالم من علماء أهل السنة في محاورة طويلة ولكني سـآخذ المهم من هذه المحاورة المزعومة وهي محاولة التيجاني الطعن في أبي بكر وعمر، ففي معرض محاورته مـع ذاك العـالم يحاول التشكيك بأبي بكر محتجاً بما رواه الإمام مالك في موطئه فيقول (( ... فما كان مني إلا أن أسرعت إلى البيت وأتيتهم بكتاب الموطأ للإمام مالك وصحيح البخاري وقلت يا سيدي: إنّ الذي بعثني على هذا الشك هو رسول الله نفسه وفتحت كتاب الموطأ وفيه روي مالك أنّ رسول الله (ص) قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر الصديق، ألسنا يا رسول الله إخوانهم أسلمنا كمـا أسلموا، وجـاهدنا كما جـاهدوا، فقال رسول الله (ص): بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي! فبكـى أبو بكر ثم بكى ثم قال ( إننا لكائنون بعـدك ).... وبعد ما قرأ الشـيخ العالم والحاضرون معه الأحاديث تغيّرت وجـوههم وبدأوا ينظـرون بعضهم إلى بعض ينتظرون ردّ العـالم الذي صدم فمـا كان منـه إلا أن رفع حـاجبيه علامة التعجب وقال ( وقل رب زدني علما ) ..))(1)!!
أقول:
1ـ
هذا الحديث
مرسل ومنقطع
عند جميع رواة
الموطّأ،
ومعلوم أن
الحديث
المرسل مردود
عند جمهور
المحدثين
والفقهاء
للجهل بحال
الراوي فيفقد
شروط الصحة،
وحجة عند أبي
حنيفة ومالك
وأحمد في
الراجح من
مذهبه.
2ـ
أما بالنسبة
لشرح الحديث
فهو خلاف ما
اخترعه هذا
التيجاني حسب
فهمه المقلوب
فإن قول
الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم :
هؤلاء أشهد
عليهم أي
بالإيمان
والبذل في
سبيل الله
فلما قال ذلك
سأله أبو أبو
بكر الصديق:
ألسنا يا رسول
الله إخوانهم
أسلمنا كما
أسلموا
وجاهدنا كما
جاهدوا؟ فقال
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
بلى! ـ أي أنتم
مسلمون مثلهم
ومجاهدين في
سبيل الله ـ
ولكن لا أدري
ما تحدثون ـ أي
لا أعلم ما سوف
تفعلون بعد
وفاتي وأبو
بكر لم يسأله
عن نفسه ولكنه
سأله بصيغة
الجمع، فأجاب
بنفس الصيغة
أنه لا يعلم ما
سيكون بعده
ومعلوم أن
النبي صلى الله
عليه وآله
وسلم لا يعلم
الغيب أي ما
سيحدث في
المستقبل
وبعد مماته ـ
إلا بما أخبره
به الله
سبحانه
وتعالى ـ يقول
الله سبحانه
وتعالى { قل لا
أملك لنفسي
نفعاً ولا
ضراً إلا ما
شاء الله، ولو
كنت أعلم
الغيب
لاستكثرت من
الخير وما
مسني السوء أن
أنا إلا نذير
وبشير لقوم
يؤمنون } (
الأعراف 188 )
فبكى أبو بكر
لأنه علـم أن
النبـي صلى
الله عليه
وآله وسلم
سيفارقهم
وذلك واضح في
قول أبي بكر (
أئنا لكائنون
بعـدك ) أي
سنعيش بعـدك
يا رسول الله
وبالطبع لم
يبك لأنه يعلم
أنه سيحدث بعد
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
!!
3ـ
لو كان تفسير
الآيات وفهم
النصوص
النبوية
يعتمد على
الأهواء
والكذب
الرخيص لكانت
حجج
المستشرقين
أقوى من حجج
التيجاني
ولأصبح الطعن
بالكتاب
والسنة حجة
لكل أبله مثله
والعجيب أنه
يقول في كتابه
(( فكتاب الله
صامت،
وحمّـال
أوجـه، وفيـه
المحكـم
والمتشابه
ولا بد لفهه من
الرجوع إلى
الرّاسخـين
فـي العلـم
حسـب التعبير
القرآنـي
وإلـى أهل
البيت حسب
التفسير
النبوي ))(2).
فهل
تفسيرك
للحديث رجعت
فيه إلى أهل
البيت؟ وعلى
أضعف الإيمان
هل رجعت إلى
الراسخين في
العلم حتى
تفهم معنى
الحديث؟ وإذا
قلت أن الحديث
مرو عن طريق
أهل السنة
فإما أن ترفض
الحديث أو
ترجع فيه لشرح
علماء أهل
السنة مرغماً
وإليك شروحهم:
4ـ
هذا وقد شرح
الموطأ لمالك
مجموعة من أهل
العلم لا بد
لنا أن نأتي
بأقوالهم
وشروحهم لهذا
الحديث:
أـ
يقول
الزرقاني ((...هؤلاء
أشهد عليهم )
بما فعلوه من
بذل أجسامهم
وأرواحهم
وترك من له
الأولاد
أولاده ( فقال
أبو بكر
الصديق ألسنا
يا رسول الله
بإخوانهم
أسلمنا كما
أسلموا
وجاهدنا كما
جاهدوا ) فلم
خص هؤلاء
بشهادتك
عليهم، فقال
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم :
بلى أنتم
إخوانهم ألخ (
ولكن لا أدري
ما تحدثون
بعدي ) فلذا
خصصتهم
بالشهادة
المستفادة من
حصر المبتدأ
في الخبر
بقوله هو لا
أشهد عليهم (
فبكى أبو بكر
ثم بكى ) كرّره
لمزيد أسفه
على فراق
المصطفى ( ثم
قال أئنا
لكائنون ) أي
موجودون ( بعدك
) استفهام تأسف
لا حقيقي
لاستحالته من
أبي بكر بعد أن
أخبره النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
))(3).
ب
ـ يقول ابن عبد
البر (( ... ومعنى
قوله: أشهد
عليهم ـ أي
أشهد لهم
بالإيمان
الصحيح
والسلامة من
الذنوب
الموبقات،
ومن التبديل
والتغيير،
والمنافسة في
الدنيا، ونحو
ذلك ـ والله
أعلم. وفيه من
الفقه دليل
على أن شهداء
أحد ومن مات من
أصحاب رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم ـ
قبله أفضل من
الذين تخلفهم
بعده ـ والله
أعلم. وهذا ـ
عندي ـ في
الجملة
المحتملة
للتخصيص، لأن
من أصحابه من
أصاب من
الدنيا بعده
وأصابت منه،
وأما الخصوص
والتعيين،
فلا سبيل إليه
إلا بتوقيف
يجب التسليم
له. وأما أصحاب
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
الذين تخلفهم
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
بعده،
فأفضلهم: أبو
بكر وعمر، على
هذا جماعة
علماء
المسلمين إلا
من شذ، وقد
قالت طائفة
كثيرة من أهل
العلم: إن أفضل
أصحاب رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
أبو بكر وعمر
لم يستثنوا من
مات قبله ممن
مات بعده ))(4)
ثم قال ((... وأما
قوله أنا أشهد
لهؤلاء وأنا
شهيد لهؤلاء
ونحو هذا فقد
روى هذا اللفظ
ومعناه من
وجوه ثم ساق
عدة روايات
ومنها هذه
الرواية ((...وأخبرنا
خلف بن
القاسم، قال
حدثنا ابن أبي
العقب، حدثنا
أبو زرعة،
حدثنا الحكم
بن نافع
أبواليمان،
حدثنا شعيب عن
الزهري،
أخبرني أيوب
بن بشير
الأنصاري عن
بعض أصحاب
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم أن
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
حين خرج تلك
الخرجة استوى
على المنبر
فتشهد، فلما
قضى تشهده كان
أول كلام تكلم
به: أن استغفر
للشهداء
الذين قتلوا
يوم أحد، ثم
قال: إن عبداً
من عباد الله
خيّر بين
الدنيا وبين
ما عند ربه
فاختار ما عند
ربه ففطن بها
أبو بكر
الصديق أوّل
الناس وعرف
إنما يريد
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
نفسه، فبكى
أبو بكر فقال
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم :
على رسلك سدوا
هذه الأبواب
الشوارع في
المسجد إلا
باب أبي بكر،
فإني لا اعلم
امرءاً أفضل
عندي يداً في
الصحبة من أبي
بكر ))(5).
ثم
يتقيأ هذا
التيجاني
ويقول بأن
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم قد
شك في أبي بكر؟
فيا للعجب!
جـ
ـ يقول الإمام
الباجي ((... وقول
أبي بكر رضي
الله عنه
ألسنا يا رسول
الله
باخوانهم
أسلمنا كما
أسلموا
وجاهدنا كما
جاهدوا على
وجه الإشفاق
لما رأى من
تخصيصهم بحكم
كان يرجوا أن
يكون حظه منه
وافراً وأن
يكون حظ جميع
من شركه فيه من
الصحابة
ثابتاً فقال
أن عملنا
كعملهم في
الإيمان الذي
هو الأصل
والجهاد الذي
هو آخر عملهم
فهل تكون
شهيداً لنا
كما أنت شهيدا
لهم فقال صلى
الله عليه
وآله وسلم
بلى ولكن لا
أدري ما
تحدثون بعدي،
قال قوم إن
الخطاب وإن
كان متوجهاً
إلى أبي بكر
فإن المراد به
غيره ممن لم
يعلم صلى
الله عليه
وآله وسلم
بما آل حاله
وعمله وما
يموت عليه
وأما أبو بكر
رضي الله عنه
فقد أعلم أنه
من أهل الجنة،
والنبى صلى
الله عليه
وآله وسلم
شهيد له بذلك
لظاهر عمله
الصالح ولما
قد أوحي إليه
وأُعْلِمَ من
رضوان الله
تعالى عنه
ولكنه لما سأل
أبو بكر
واعترض بلفظ
عام ولم يخص
نفسه بالسؤال
عن حاله كان
الجواب
عاماً، وقد
بيّن تخصيصه
بأنه ليس ممن
يحدث بعد
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
شيئاً مما
يحبط عمله بما
تقدم وتأخر عن
هذا الحال من
تفضيل النبي صلى الله
عليه وآله
وسلم له
واخباره بما
له عند الله من
الخير وجزيل
الثواب وكريم
المآب. قال
القاضي أبي
الوليد رضي
الله عنه
ويحتمل عندي
وجهاً آخر،
وهو أن يكون
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
قال: هؤلاء
أشهد عليهم
بما شاهدت من
عملهم في
الجهاد الذي
أدى إلى قتلهم
في سبيل الله
ولذلك لم يقل
أنه شهيد لمن
حضر هذا اليوم
وقاتل وسلم من
القتل كعليّ
وطلحة وأبي
طلحة وغيرهم
ممن أبلى ذلك
اليوم، ومن هو
أفضل من كثير
ممن قتل ذلك
اليوم، لكنه
خصّ هذا الحكم
بمن شاهد
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
جهاده إلى أن
قتل، ويكون
على معنى هذا
قوله لأبي بكر
رضي الله عنه:
بلى ولكن لا
أدري ما
تحدثون بعدي،
لم يرد به
الحدث المضاد
للشريعة
وإنما أراد به
جميع الأعمال
الموافقة
للشريعة
والمخالفة
لها، فيكون
معنى ذلك أن ما
تعملونه بعدي
لاأشاهده،
فلا أشهد لكم
به وأن علمت أن
منكم من يموت
على ما يرضي
الله من
الأعمال
الصالحة،
إلاّ أنها لم
تعين لي فيقال
لي أنه يجاهد
في الموطن كذا
وأن الواحد
منكم يقتل
زيداً أو
يقتله عمرٌ،
وكما شاهدت من
حال هؤلاء،
فلذلك لا أكون
شهيداً لكم
بنفس الأعمال
وتفصيلها،
كما أشهد على
تفصيل عمل
هؤلاء وأن
شهدت لبعضكم
بجملة العمل
بالوحي
واعلام الله،
فعلى هذا يكون
قوله: ولكن لا
أدري ما
تحدثون بعدي
متوجّهاً إلى
جميع الصحابة
من أبي بكر
وغيره. ( فصل )
وقوله: فبكى
أبو بكر ثم بكى
ثم قال أئنا
لكائنون
بعدك، يريد
أنه أطال
البكاء وكرره
وأظهر معنى
بكائه بقوله:
أئنا لكائنون
بعدك كأنه
للإشفاق من
البقاء بعد
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
والإنفراد
دونه وفقد
بركته ونعمة
الله على أمته
به،وهذا يدل
على أنه قد فهم
أبو بكر رضي
الله عنه من
قول النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم :
بلى ولكن لا
أدري ما
تحدثون بعدي
أنه لا يخاف أو
يجوز أن يكون
من أبي بكر حدث
يضاد الشريعة
ويخالف به من
أجله عن سبيل
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
لأن بكاءه
لذلك كان أولى
له وكان حكمه
على ذلك بأن
يقول ائنا
لمحدثون بعدك
حدثاً يصد عن
سبيلك ونخالف
به طريقتك
ولما لم يقل
ذلك ولا بكى من
أجله وإنما
بكى من أجل
فراقه النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
وبقائه بعده
علمنا أنه فهم
منه ما قدمنـا
ذكره واللـه
أعلم ))(6)
فهـذا هـو
قـول أهل
العلم في هذا
الحديث
والـذي يظهـر
جليـاً مـدى
جهـل هذا
التيجاني
بفقه الحديث
وتحامله على
الصحابة
العظام.
أما قوله (( فقلت: إذا كان رسول الله (ص) هو أول من شك في أبي بكر ولم يشهد عليه لأنه لا يدري ماذا سوف يحدث بعده ))(7)
فأقول:
1ـ
قد ظهر واضحاً
لكل عاقل من
خلال الشروح
أن النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم لم
يقصد أبا بكر
الصديق بقوله:
لا أدري ما
تحدثون بعدي.
ولكن كلامه
عام على جميع
الصحابة
بخلاف هؤلاء
الذين شهد لهم
النبي صلى الله
عليه وآله
وسلم .
2ـ
من المسلم به
أنّ اليقين لا
ينتفي بالشك،
ومن المعلوم
يقيناً أن
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
شهد لأبي بكر
بالجنة في
الكثير من
الروايات،
منها ما رواه
الترمذي
والطبراني في
الكبير عن
عـائشة قـالت:
أن أبـا بكر
دخل على رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
فقال (( أنت
عتيق الله من
النار ))(8)
وفي الحديث
الذي رواه
البخاري عن
أبي موسى
الأشعري في
جزء منه (( فجاء
أبو بكر فدفع
الباب، فقلت
من هذا؟ فقال:
أبو بكر . فقلت
على رسلك، ثم
ذهبت فقلت: يا
رسول الله هذا
أبو بكر
يستأذن، فقال:
ائذن له
وبشِّـرْهُ
بالجنـة.
فـأقبلتُ
حتـى قلـتُ
لأبي بـكر:
ادخُل ورسولُ
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
يبشِّرك
بالجنـةِ ))(9)
وأخـرج
الترمذي عن
عبد الرحمن بن
عوف قال: قال
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم ((
أبـو بكر في
الجنـة و....الخ ))(10)
وأخرج
الترمـذي
أيضاً عـن علي
بن أبي طالب
قال: كنت مع
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم،
إذ طلع أبو
بكر، وعمر،
فقال رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم : ((
هَذَان
سيِّدا كهول
أهل الجنة، من
الأولين
والآخرينَ،
إلاالنَّبينَ
والمُرْسلينَ،
يا عليُّ:
لاتُخْبِرهُما
))(11)،
وقد أثبت الله
لهذا الصحابي
الجليل
الصحبة لنبيه صلى
الله عليه
وآله وسلم في
قوله تعالى {
إلا تنصروه
فقد نصره الله
إذ أخرجه
الذين كفروا
ثانـي اثنين
إذ همـا في
الغار إذ يقول
لصاحبه لا
تحزن إن الله
معنا...} ( التوبة 40
) ففي الآية
فضل أبي بكر
الصديق لأنه
انفرد بهذه
المنقبة حيث
صاحب رسول صلى
الله عليه
وآله وسلم.في
تلك السفرة
ووقاه بنفسه(12)
ولهذا
قال سفيان بن
عيينة وغيره:
إن الله عاتب
الخلق جميعهم
في نبيـه إلا
أبـابكر.
وقـال: مـن
أنـكر صـحبة
أبي بـكر فهو
كافر، لأنه
كذَّب القرآن.
))(13)
ثم يدع بعد ذلك
التيجاني أن
النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم قد
شك في أبي بكر!
ولكن من خلال
هذه الأدلة من
الكتاب
والسنة يعلم
طالب الحق
يقيناً لا
شكاً أن النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
الذي شهد لأبي
بكر بالجنة لا
يشك به قطعاً
وإلا لكان هذا
تناقضاً منه
وحاشاه ذلك
فيكون قوله :
لا أدري ما
تحدثون بعدي.
على سبيل
اليقين
والرؤية كما
عاين ورأى
شهداء أحد. ثم
يقول ((... فمن حقي
أن أشك وأن لا
أفضّل أحداً
حتى أتبيّن
وأعرف
الحقيقة، ومن
المعلوم أن
هذين
الحديثين
يناقضان كل
الأحاديث
الواردة في
فضل أبي بكر
وعمر
ويبطلانها،
لأنهما أقرب
للواقع
المعقول من
أحاديث
الفضائل
المزعومة: قال
الحاضرون
وكيف ذلك؟ قلت:
أن رسول الله (ص)
لم يشهد على
أبي بكر وقال
لو إنني لا
أدري ماذا
تحدثون بعدي!
فهذا معقول
جداً وقد قرّر
ذلك القرآن
الكريم
والتاريخ
يشهد أنهم
بدّلوا بعده
ولذلك بكى أبو
بكر وقد بدّل
وأغضب فاطمة
الزهراء بنت
الرسول ـ
كماسبق ـ وقد
بدل حتى ندم
قبل وفاته
وتمنّى ألا
يكون بشراً.
أما الحديث
الذي يقول ( لو
وزن إيمان
أمتي بإيمان
أبي بكر لرجح
إيمان أبي بكر
) فهو باطل
وغير معقول:
ولا يمكن أن
يكون رجلاً
قضى أربعين
سنة من عمره
يشرك بالله
ويعبد
الأصنام أرجح
إيماناً من
أمة محمد
بأسرها،
وفيها أولياء
الله
الصالحين
والشهداء
والأئمة
الذين قضوا
أعمارهم كلها
جهاداً في
سبيل الله، ثم
أين أبو بكر من
هذا الحديث؟
لو كان صحيحاً
لما كان في آخر
حياته يتمنى
ألا يكون
بشراً. ولـو
كان إيمانه
يفوق إيمان
الأمـة ما
كانت سيدة
النساء،
فاطمة بنت
الرسول (ص)،
تغضب عليه
وتدعو الله
عليه في كل
صلاة
تصلِّيها ))(14).
1ـ
قوله أن هذين
الحديثين
يناقضان كل
الأحاديث
الواردة في
فضل أبي بكر
وعمر
ويبطلانها من
أشد أقواله
عجباً! فلست
أدري على أي
مبدأ استند في
إبطال أحاديث
صحيحة؟
فالحديث الذي
يستند عليه
التيجاني هو
حديث مرسل كما
بينت سابقاً
في حين أنه يرى
ضعف الحديث
المرسل ففي
مكان آخر من
كتابه يحتج
على أهل السنة
بحديث ( يا
أيها الناس
إني تركت فيكم
ما إن أخذتم به
لن تضلّوا
كتاب الله
وعترتي أهل
بيتي ) تراه
يضعّف حديث (
كتاب الله
وسنتي ) بحجة
أنه حديث مرسل!؟
فيقول
بالهامش ((
أخرج مسلم في
صحيحه
والنسائي
والترمذي
وابن ماجه
وأبي داود في
سننهم الحديث
المذكور بلفظ (
كتاب الله
وعترتي )
مسنداً إلى
رسول الله (ص).
أما لفظ سنتي(15)
فلم يرد في أي
من الصحاح
الست، وأخرج
الحديث بهذا
اللفظ مالك بن
أنس في موطّئه
ونقله مرسل
غير مسند (!!!)،
وأخذ عنه بعد
ذلك البعض
كالطبري وابن
هشام ونقلوه
مرسلاً كما
ورد عن مالك ))(16)
فكيف يحتج هنا
بالحديث
المرسل على
بطلان
الأحاديث
الصحيحة
المسندة؟!
السبب بسيط
أنه يريد أن
يظهر حقيقة
إنصافه
المزعوم
وتلاعبه
المأثوم
بالقراء
الكرام فمرحا
بالهداية!
2ـ
يبدو أن
التيجاني
عنده من
الشجاعة
العلمية في
إثبات
الأحاديث
التي يهواها
فتتحول إلى
أحاديث مسندة
في نظره، أما
الأحاديث
التي تثبت
فضائل
الصحابة فليس
عنده هذه
الشجاعة
العلمية في
نقدها سنداً
ومتناً
فتتحول بدون
مقدمات إلى
أحاديث باطلة
ولو كانت من
أصح الأسانيد!
وأقول إذا
كانت كل
الأحاديث
التي تذكر
فضائل أبي بكر
باطلة فأظن أن
شهادة الله
سبحانه بفضل
أبي بكر
وتقواه
وبصحبته
النبي صلى الله
عليه وآله
وسلم ليست
باطلاً!؟
فشهادة الله
هذه لأبي بكر
تقتضي أن
أحاديث فضائل
أبي بكر صحيحة
وهذه قضية
منطقية
ومعقولة
جداً، لأن من
شهد الله له
بالتقوى
والطهارة لا
بد أن يشهد له
النبي صلى الله
عليه وآله
وسلم بذلك.
3ـ
أما قوله أن
الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلملم
يشهد على أبي
بكر وقال له
إنني لا أدري
ماذا تحدثون
بعدي.
قلت: بل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شهد لأبي بكر في هذا الحديث عندما قال له أبو بكر ألسنا يا رسول الله إخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟! فقال له: بلى! فهذه شهادة منه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ولكنه استدرك بأنه لا يعلم ما سيكون منهم على سبيل الرؤية والتعيين بالإضافة إلى أن سياق الجملة لا يستساغ بلاغياً فكيف يقول التيجاني أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يشهد على أبي بكر ويقول له أنني لا أدري ما تحدثون بعدي، فكيف يخاطب أبا بكر بصيغة الجمع وهو مفرد، بل لأن أبا بكر خاطبه بصيغة الجمع واعترض بلفظ عام ولم يخص نفسه بالسؤال عن حاله، كان الجواب عاماًوعلى أقل تقدير أن يكون هو من ضمن المخاطبين، وبما أننا علمنا أن علياً بن أبي طالب كان من المقاتلين في أحد ولم يستشهد فيها فعلى ذلك لا بد أن يشمله الخطاب لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم ما سيحدث له بعده مثله كمثل بقية المخاطبين فكل ما بناه التيجاني الوبيّ على هذا الحديث من الطعن على أبي بكر وعمر يدخل فيه علي!! فهذا معقول جداً؟!
أما
قوله ( وقد قرر
ذلك القرآن
الكريم
والتاريخ
يشهد أنهم
بدّلوابعده...)!!!
فهـذا من أقبح
الكذب إذ كيف
يقرر القرآن
أن الصحابة
بدلوا ؟! فأين
هذه الآيات
التي تدل على
هذا التخرص
فلو كانت عنده
بينة لأتى بها
اللهم إن كان
يقصد مصحف
فاطمة؟! وأما
إذا ادعى أنه
بيّن هذه
الكذبة في فصل
رأي القرآن في
الصحابة فقد
دحضت
افتراءاته
بحول الله
تعالى وفضله
منه بما يقنع
كل من يريد
الحق ويرتضيه
وأما بالنسبة
لما قرره
القرآن حقاً
فيتضح في قوله
تعالى { لكن
الرسول
والذين آمنوا
معه جاهدوا
بأموالهم
وأنفسهم
وأولئك لهم
الخيرات
وأولئك هم
المفلحون،
أعدّ الله لهم
جنات تجري من
تحتها
الأنهار
خالدين فيها
ذلك الفوز
العظيم } (
التوبة 88 ـ 89 )
فأسأل هذا
التيجاني
المهتدي هل
هؤلاء
المذكورون في
الآية هم علي
وابناه الحسن
والحسين
اللذان لم
يكونا قد بلغا
الحلم؟
بالإضافة إلى
الثلاثة أو
السبعة الذين
يبقي الرافضة
على صحبتهم
للنبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
عدا جميع
الصحابة وفي
مقدمتهم أبو
بكر وعمر
وعثمان وطلحة
والزبير؟! وهل
الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
جاهد
المشركين في
بدر والذين
وصل تعدادهم
إلى ألف
مقاتل، وفي
أحد وكانوا
ثلاثة آلاف
مقاتل،
وغيرها من
الغزوات
بهؤلاء النفر
الذين لم
يتجـاوزوا
العشرة يا
تيجاني؟!؟
وقوله تعالى {
والسابقون
الأولون من
المهاجرين
والأنصار
والذين
اتبعوهم
بإحسان رضي
الله عنهم
ورضوا عنه
وأعدّ لهم
جنات تجري
تحتها
الأنهار
خالدين فيها
أبداً ذلك
الفوز العظيم }
( التوبة 100 )،
فنسأل
التيجاني من
هم السابقون
الأولون من
المهاجرين
والأنصار؟!..
هل هم علي
والسبعة
المرضيون
عندكم؟!! سبحان
الله فوالله
لست أدري كيف
يُهدى البعض
إلى عقيدة
تخالف النقول
وتهين
العقول؟!،
فأسأل الله
الكبير
المتعال أن
يقينا شرور
هؤلاء
المرجفين
وشرور ما
يرددون من
أباطيلهم
وجميع
المسلمين
اللهم آمين.
4ـ
يقول الله
سبحانه {
للفقراء
المهاجرين
الذين
أُخرجوا من
ديارهم
وأموالهم
يبتغون فضلاً
من الله
ورضواناً
وينصرون الله
ورسوله أولئك
هم الصادقون،
والذين تبوؤا
الدار
والإيمان من
قبلهم يحبون
من هاجر إليهم
ولا يجدون في
صدورهم حاجة
مما أوتوا
ويؤثرون على
أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة
ومن يوق شحّ
نفسه فؤلئك هم
المفلحون } (
الحشر 8 ـ 9)
وإنني لن
أسـأل
التيجاني
فيمن تعنيهم
هذه الآية
وسأوفر عليه
الجواب وسأدع
الإمام
الرابع عند
الاثني عشرية
وهو عليّ بن
حسين يجيب عن
ذلك فقد روى
علامتهم عليّ
بن أبي الفتح
الأربلي في
كتابه ( كشف
الغمّة في
معرفة الأئمة )
عن علي بن
الحسن أنه ((
قدم عليه نفر
من أهل
العـراق
فقالـوا في
أبي بكر وعمر
وعثمان رضي
اللـه عنهم،
فلما فرغوا من
كلامهم، قال
لهم: ألا
تخبروني أنتم {
المهاجرون
الأولون
الذين أخرجوا
من ديارهم
وأمـوالهم
يبتغون فضلاً
من اللـه
ورضواناً
وينصرون الله
ورسوله أولئك
هم الصادقون }؟
قالوا: لا، قال:
فأنتم { الذين
تبوأوا الدار
والإيمان من
قبلهم يحبون
من هاجر إليهم
ولا يجدون في
صدورهم حاجة
مما أوتوا
ويؤثرون على
أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة
}؟ قالوا: لا،
قال: أما أنتم
قد تبرأتم أن
تكونوا من أحد
هذين
الفريقين
وأنا أشهد
أنكم لستم من
الذين قال
الله فيهم {
والذين جاؤا
من بعدهم
يقولون ربنا
اغفر لنا
ولإخواننا
الذين سبقونا
بالإيمان ولا
تجعل في
قلوبنا غلاً
للذين آمنوا }
أخرجوا عني
فعل الله بكم ))(17)!
فهذا هو قول
الإمام
الرابع فيمن
نزلت فيهم هذه
الآيات، وهو
يرد على من
أغلقت عقولهم
وعمّيت
أبصارهم،
فأخذوا
يطعنون بأبي
بكر وعمر
وعثمان
فأخرسهم بهذه
الآيات
البينات،
فأقول
للتيجاني هل
ما زلت تصدق
أنك قد
اهتديت؟؟!
5ـ
وأما قوله (
أما الحديث
الذي يقول ( لو
وزن إيمان
أمتي بأيمان
أبي بكر ) فهو
بـاطل وغير
معقـول ولا
يمكن أن يكـون
رجـلاً قضى
أربعين سنة من
عمره يشرِك
بـالله
ويعبـد
الأصنـام
أرجـح
إيمانـاً مـن
أمة محمد
بأسرها..ألخ،
وللإجابة على
ذلك أقول:
أـ
يلاحظ
القارئ أن
التيجاني
أبطل حديثاً
لا لشئ سوى أن
عقله الواعي
لا يقبله،
فمعنى ذلك أن
علم الجرح
والتعديل علم
لا قيمة له لأن
العقل هو
الحاكم الذي
يحكم على
الحديث
بالقبول أو
الرد، وهذا
يعني أيضاً
أنه لو اختلق
البعض أحاديث
مدعياً أنها
من فم الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
واستساغتها
عقول بعضهم
لأصبحت
أحاديث
صحيحة؟! وهذا
القول سيفتح
الباب على
مصراعيه
للمستشرقين
وأفراخهم
للطعن بالسنة
بحجة أن
عقولهم
الصدئة لا
تستسيغ
أحاديث
الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
بفضل العلم
الجديد الذي
استحدثه
المجتهد
التيجاني في
قبول
الأحاديث أو
ردها؟! فابحث
أخي القارئ
بعد ذلك عن
دينك؟؟!
ب
ـ أما الحديث (لو
وزن ...) فهو حديث
موقوف على عمر
فقد رواه
أسحاق بن
راهويه
والبيهقي في
الشعب بسند
صحيح عنه ((
ورواية عن عمر
هذيل بن
شرحبيل، وهو
عند ابن
المبارك في
الرهد، ومعاذ
بن المثنى في
زيادات مسند
مسدد، وكذا
أخرجه ابن عدي
في ترجمة عيسى
بن عبد الله من
كامله، وفي
مسند
الفردوس،
معاًمن حديث
ابن عمر
مرفوعاً،
بلفظ: ( لو وضع
أيمان أبي بكر
على إيمان هذه
الأمة لرجح
بها )، وفي
سنده عيسى بن
عبدالله بن
سليمان، وهو
ضعيف، لكنه لم
ينفرد به، فقد
أخرجه بن عدي
أيضاً من طريق
غيره بلفظ: ( لو
وزن إيمان أبي
بكر بإيمان
أهل الأرض
لرجحهم ). وله
شاهد في السنن
أيضاً، عن أبي
بكرة مرفوعاً:
أن رجلاً قال:
يا رسول الله،
رأيت كأن
ميزاناً أنزل
من السماء
فوزنت أنت
وأبـو بكر
فرجحت أنت، ثم
وزن أبو بكر
بمن بقي فرجح،
الحديث ))(18)،
وعلى ذلك إن
كانت هذه
الرواية في
رفعها إلى
الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
ضعف ولكن حديث
أبي داود يشهد
لها بالصحة
وعلى العموم
فأبو بكر
الصديق من
أكثر الناس
إيماناًوتقوى
وصلاحاً!
ت
ـ أما قـوله (
ولا يمكن أن
يكون رجـل قضى
أربعين سنة من
عمره يشرك
بالله ويعبد
الأصنام أرجح
إيماناً من
أمة محمد
بأسرها،
وفيها أولياء
الله
الصالحين
والشهداء
والأئمة
الذين قضوا
أعمارهم
كلّها جهاداً
في سبيل الله ).
وجواب ذلك من
وجوه:
1ـ
كيف علم
التيجاني أن
أبا بكر قضى
أربعين سنة
يشرك بالله
ويعبد
الأصنام، فهل
جاء ببينة على
دعواه هذه بدل
أن يتقيأ هذا
الكذب الذي
استمرأه؟ فإن
احتج أنه لم
يكن أحد
مؤمناً قبل
مبعث النبي صلى
الله عليه
وآله وسلم
وكانوا
يعبدون
الأصنام
ولا شك أن أبا
بكركان
واحداً منهم.
قلت: وكذلك
الصبيان
كانوا يعبدون
الأصنام
كعليّ لأن
الصبي
المولود بين
أبوين كافرين
يجري عليه حكم
الكفر باتفاق
المسلمين وفي
الحديث أن
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
قال (( ما من
مولودٍ إلا
يولد على
الفطرة،
فأبواه
يُهوَّدانه،
أو
ينصِّرانه،
أو
يمجِّسانه،
كما تُنْتَج
البهيمة
بهيمةً
جمعاء، هل
تُحسون فيها
من جَدْعاء ))(19)،
وإن ادّعى
التيجاني أن
كفر الصبي ليس
مثل كفر
البالغ، قلت
ولا إيمان
الصبي مثل
إيمان
البالغ،
فإسلام أبي
بكر مخرجاً له
من الكفر
باتفاق
المسلمين،
وأما إسلام
علي فهل يكون
مخرجاً له من
الكفر علي
قولين
مشهورين
ومذهب
الشافعي أن
إسلام الصبي
غير مخرج له من
الكفر(20)
بالإضافة
إلى أن أبابكر
لم يتلعثم عند
إسلامه فعن
محمد بن أبي
بكر أن رسول
الله صلى
الله عليه
وآله وسلم
قال (( ما عرضّت
الإسلام على
أحد، إلا كانت
له عنده كبوة
وتردد، غير
أبي بكر، فإنه
لم يتلعثم ))(21)
والغريب
في الأمر أن
الشيعة
الاثني عشرية
يروون أن
علياً تردّد
في قبول
الإسلام وطلب
الإمهال من
الرسول صلى
الله عليه
وآله وسلم
وقال ((... إن هذا
مخالف دين
أبي، وأنا
أنظر فيه ))(22)!؟
2ـ أمـا بالنسبة لعبـادة أبي بكر للأصنام فإنه لم يثبت أنه سجد لصنم قط (( قال أبو بكر رضي الله عنه في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحكم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مُخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشمّ العوالي، وخلاّني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يجبني، فقلت: إني عا