خامساً ـ ادعاؤه أن علياً أولى من أبي بكر بالاتباع والرد عليه في ذلك:

يقول التيجاني تحت عنوان ( علي أولى بالاتباع) (( ومن الأسباب التي دعتني للاستبصار وترك سنة الآباء والأجداد، الموازنة العقلية والنقلية بين عليّ بن أبي طالب وأبي بكر. وكما ذكرت في الأبواب السابقة من هذا البحث إني أعتمد على الإجماع الذي يوافق عليه أهل السنة والشيعة. وقد فتشّت في كتب الفريقين فلم أجد إجماعاً إلاّ على عليّ بن أبي طالب فقد أجمع على إمامته الشيعة والسنة فـي مـا ورد مـن نصـوص ثبتتها مصادر الطرفين، بينما لا يقول بإمامـة أبي بكر إلا فريق مـن المسلمين وقد كنّا ذكرنا ما قاله عمر عن بيعة أبي بكر ))(1)

  أقول:

1ـ يبدو أن الجهل تجاوز بالتيجاني درجات! فإذا كان أهل السنة والجماعة قد أجمعوا مع الشيعة على إمامة عليّ فيما ورد من نصوص على زعمه، فلماذا سوّد كل هذه الصفحات لإثبات إمامة عليّ؟ وما هو الخلاف بين الطرفين إذا كانوا متفقين على إمامة عليّ؟! وكيف يحصل الإجماع على عليّ والتاريخ يشهد أن الإجماع قد ثبت على إمامة أبي بكر بل لا يوجد أصلاً إجماع على إمامة عليّ لا من مصادر السنة ولا من مصادر الشيعة(2) ( الرافضة )، مع ما يكتنف دين الرافضة من تناقض وكذب وخرافات، ثم أقول لهذا المهتدي إذا كان عندك مصدر واحد من مصادر أهل السنة يجمع على إمامة عليّ بن أبي طالب، فأرجـو أن تفحمنا وتدلنا عليـه، وإن لم تستطع ذلك فاعلم أنك من أصحاب الكذب الرخيص.

2ـ ثم يقول ( بينما لا يقول بإمامة أبي بكر إلا فريق من المسلمين ) قلت: ومع ذلك أصبح الخليفة الأول ودانت له جموع المسلمين راضين به، منقادين له؟! وأما بالنسبة لقول عمر عن البيعة فقد بينّاه سابقاً.

ثم يقول (( بما أنّ الكثير من الفضائل والمناقب التي يذكرها الشيعة في علي بن أبي طالب لها سند ووجود حقيقي وثابت في كتب أهل السنة المعتمدة عندهم، ومن عدة طرق لا يتطّرق إليها الشك ))(3)  أقول:

1ـ سنرى بإذن الله وسيرى القارئ الروايات التي يحتج بها الرافضة ويتطلع على أسانيدها وعلى مدى صحتها ليعلم القول الثابت من التقول الزائف.

2ـ أما أنها مروية من عدة طرق لا يتطرق إليها الشك فهذا عجب من القول لأنه يعني أنها ( متواترة )(4) فهل كل الأحاديث التي رُوِيَت في علي وصلت إلى درجة التواتر؟ سنرى ذلك! أقول ذلك مع أنني لو حلفت بين الركن والمقام أن هذا التيجاني يهرف بما لا يعرف ويجهل أبسط أصول علم الحديث لن أحنث؟!

ثم يتابع فيقول (( فقد يروي الحديث في فضائل الإمام علي جمع غفير من الصحابة، حتى قال أحمد بن حنبل : ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (ص) من الفضائل كما جاء لعلي بن أبي طالب. وقال القاضي إسماعيل والنسائي وأبو علـي النيسابوري : لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي))(5) ، قلت:

1ـ ليس المقصود كثرة الروايات في فضائل علي، بل كثرة الرواة وبتالي كثرة المسـانيد، بمـعنى أن الـرواة أكثـروا الرواية في مناقب علي ـ الصحيح منها والمكذوب ـ وأصبح للرواية الواحدة أسانيد كثيرة، كرواية ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) فلها طرق كثيرة جداً مع أنها رواية واحدة، وسبب ذلك يرجع إلى تأخر وفاة علي وما جرى في وقته من الأحداث والفتن العظيمة، وكثرة الطعون التي تعرض لها لذلك يقول ابن حجر (( قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي وكأن السبب في ذلك أنه تأخر، ووقع الاختلاف في زمانه وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه من كثرة من كان بينها من الصحابة رداً على من خالفه ))(6).

2ـ إضـافة إلى ما سبق فليس كل مـا روي في فضائل علي فهو صحيح، (( يقول الذهبي في تلخيص الموضوعات: لم يرو لأحد من الصحابة في الفضائل أكثر مما روي لعلي رضي الله عنه، وهي على ثلاثة أقسام: صحاح وحسان، وقسم ضعاف، وفيها كثرة، وقسم موضوعات وهي كثيرة إلى الغاية ولعل بعضها ضلال وزندقة ))(7)أهـ، فليس كل ما روي في فضائل علي صحيح، بل قد وضع الكذّابون في فضائله الشيء الكثير، وهذا ما يؤكده الإمامية فيقول ابن أبي الحديد الشيعي (( إن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة (!)، فانهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم ))(8)، ويقر بذلك الكشي حين يورد في كتابه ( رجال الكشي ) عـن أبـي مسكـان عـمن حدثـه مـن أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول (( لعـن الله المغيرة بن سعيد إنـه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حر الحديد ))(9)، وأورد عن يونس قال (( وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (ع) ووجدت أصحاب أبي عبد الله متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (ع) فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله (ع) وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله (ع) لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (ع) ))(10)، فهل يشك شاك بعـد ذلك بأن الكثير من فضائل علي كذب من جهة من يزعمون أنهم من شيعته! ومن كتبكم نحاججكم.

3ـ يحاول التيجاني إيهام القارئ أن الإمام أحمد يرى أفضلية علي على أبي بكر وعمر، ولكن الحقيقة أن الإمام أحمد يرى أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها هو أبو بكر وعمر يقول الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل (( سمعت أبي يقول: أما التفضيل فأقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ))(11) وقال (( سألت أبي رحمه الله عن التفضيل بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الرابع من الخلفاء، قلت لأبي: إن قوماً يقولون إنه ليس بخليفة قال: هذا قول سوء ردئ ))(12) وفي مسائل ابن هانئ قال (( سمعت أبا عبد الله يقول في التفضيل: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ولو أن رجلاً قال علي لم أعنفه ))، ثم سأله ابنه عن الخلافة (( سألت أبي عن الأئمة فقال: أبو بكر ثم عمـر ثم عثمـان ثم علي في الخلفاء ))(13) فهذا هو قول أحمد في التفضيل والخلافة.

ثـم يقـول (( أمـا بالنسبة لأبي بكر فقـد فتّشت أيضاً في كتب الفريقين فلم أجـد له في كتب أهـل السنة والجماعة القائلين بتفضيله ما يوازي أو يعادل فضائل الإمام عليّ ))(14)،   أقول:

أما تفتيش التيجاني فلا يعتمد عليه لأنني واثق وثوق الشمس أنه غير منصف مهما ادّعى الإنصاف، إضافةً إلى أنه لا يفرّق بين الحديث المتواتر والحديث الموضوع!! ثم إنني لست أدري لماذا يناقض ( الدكتور ) التيجاني نفسه مرّات ومرّات، فهـو قد ذكر قبـل قليل قـوله ( فقد أجمع على إمامته ـ أي عليّ ـ الشيعة والسنة في ما ورد من نصوص أثبتتها مصادرالطرفين ) إنظر؟ ( بينما لا يقول بإمامة أبي بكر إلا فريق من المسلمين ) هل نظرت أخي القارئ؟! ثم انظره هنا ماذا يقول ( أما بالنسبة لأبي بكر فقد فتشت أيضاً في كتب الفرقين فلم أجد له في كتب أهل السنة والجماعة القائلين بتفضيله (!؟) ـ وتفضيل أهل السنة له يعني إمامته ـ ما يوازي أو يعادل فضائل عليّ ) فأقول للتيجاني أي الفريقين تختار؟ أهل السنة الذين أجمعوا على خلافة عليّ؟! أم أهل السنة القائلين بتفضيل أبي بكر؟؟ لذلك أود أن أقدم لك نصيحة غالية، أرجوا منك أن تأخذها مأخذ الإعتبار وهي عندما تقوم بطبع هذا الكتاب مـرة أخرى الرجاء أن تصحح تخصصك فتكتب على الغلاف ( ثم اهتديت... تأليف الدكتور محمد التيجاني السماوي... دكتوراة في علم المتناقضات؟! )

ثم يقول (( ورغم أن أبا بكر كان هو الخليفة الأول وله من النفوذ ما قد عرفنا ورغم أنَّ الدولة الأموية كانت تجعل عطاءً خاصاً ورشوة لكل من يروي في حق أبي بكر وعمر وعثمان ورغم أنَّها اختلقت لأبي بكر من الفضائل والمناقب الكثير ممـا سُوّدت بها صفحات الكتب، مع ذلك فلم يبلغ معشار عشر حقائق الإمام عليّ وفضائله ))(15). أقول:

ألا لعنة الله على الكاذبين، فكيف عرف هذا الشانئ الكذاب أن الدولة الأموية كانت تجعل عطاءً خاصاً ورشوة لمن يروي في حق أبي بكر وعمر وعثمان، ولماذا لم تُحَلْ أكاذيبه هذه المرة إلى الطبري والكامل وغيرها من كتب التاريخ حتى يثبت صحة ما يقول أم يريد أن يدلل على حقده وتجنيه على العظماء باختلاق الأكاذيب التي لا تنطلي على الأطفال فضلاً على الكبار، ثم ألا يعلم، أن الذي روى الأحاديث في فضائل عليّ بزعمه هم الصحابة أيضاً؟فقوله هذا طعن مبطن للصحابة الكبار من رواة الأحاديث في أنهم يروون الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهل القرآن الذي جاءنا عن طريق الصحابة هو مكذوب أيضاً؟والقرآن الذي جاءنا عن طريق أولاد ابن سبأ اليهودي هو المحفوظ؟فقاتل الله الرافضة ومن شايعهم في طعنهم على خير القرون ممن صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأي طعن في نبيّنا أكثر من ذلك؟ فأصحابه ظالمون مغتصبون منافقون جبناء وهنا كذابون مرتشون يختلقـون الكذب على من صحبوه من أجـل بعض العطـاءات والرشـاوي!! ورحم اللـه الإمام مالك حين قال (( هـؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل رجـل سـوء كان له أصحاب سـوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان له أصحاب صالحون ))(16).

ـ فلِينظرمن يريد الحق إلى ما يدعيه هؤلاء الرافضة ليستنتج من ذلك حقيقتهم وأنهم لا يعدون  إلا أن يكونوا من أولاد عبد الله بن سبأ اليهودي الذين لا يريدون إلا تدمير الإسلام وأهله فيدعون بالكذب والزور حب آل البيت الكرام وهم منهم براء كبراءة الذئب من دم يوسف.

ثم يضيف هذا المهترئ فيقول (( أضف إلى ذلك أنّك إذا حلّلت الأحاديث المروية في فضائل أبي بكر وجدتها لا تتماشى مع ما سجّله له التاريخ من أعمال تناقض ما قيل فيه ولا يقبلها عقل ولا شرع ))(17)!!

انظر أخي القارئ إلى من لا عقل له ولا فقه يريد أن يخالف الأصول المعلومة... يريد أن يحلل الأحاديث المروية في فضائل أبي بكر لا أن يبحث في سندها أو متنها بل يريد أن يحللها بماذا؟ بعقله أو قُل بتجرده وإنصافه، فيحلل أحاديث فضائل أبي بكر، وهو يقول الأحاديث. وليس حديثاً واحداً و(أل) تفيد الاستغراق أي كل أحاديث فضائل أبي بكر، فأتساءل يا ترى هل يريد أن يغرسهـا في التربة القـابلة للزراعـة ليرى هل ستنمو أم لا ليعلم مدى صحتهـا أو لعله سيقـوم بنقعهـا في محلول الكذب ويضع عليها ثاني أكسيد الدجل؟! لينظر ماذا يكتشف.

ثم يقول (( وقد تقدم شرح ذلك في حديث ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أمتي لرجح إيمان أبـي بكر ) ولو كان يعلم رسـول اللـه أن أبا بكر على هذه الدرجـة من الإيمان ما كان ليؤّمر عليه أسامة بن زيد ولا ليمتنع من الشهادة له كما شهـد على شهـداء أحـد وقال له إني لا أدري ماذا تحدث من بعدي حتى بكى أبو بكر ))(18).

أقول: لقد أجبت عن هذه الحجـج  في غير ما موضع من هذا الكتاب فلتراجع. مع الإشارة إلى أنه لم يشرح الأحاديث كما يزعم هنا بل يحلل! ويحرم؟، إضـافة لتحريفه المتكرر للحديث فهنا يقول ( وقال له إني لا أدري ما تحدث بعدي ) مع أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( لا أدري ما تحدثون بعدي ) بصيغة الجمع، ولكن أقول الطبع يغلب التطبع!

ثم يقـول (( ولا أن يُرسل خلفـه علي بن أبي طالب ليأخذ منه سورة براءة فيمنعه من تبليغها ))(19).

أقول: هذا من الكذب الرخيص لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع أبا بكر من تبليغها كما يزعم هذا التيجاني ولم يذكر في أي حديث مثل ذلك، ومعلوم بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمّر أبا بكر على الحج عام تسع فقد (( أخرج الطبري وإسحق في مسنده النسائي والـدارمي كـلاهما عنـه وصححـه ابـن خزيمـة وابـن حبـان مـن طريق ابن جريـج ( حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحـج، فأقبلنا معه حتى إذا كدنا بالعرج ثوّب الصبح، فسمع رغوة ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا علي عليها، فقال له: أمير أو رسول؟ فقال: بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببراءة أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قدم أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك ))(20).

فكان أبو بكر ينادي: أن لا يحج بعد العام المشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويأمر أصحابه بذلك ويعضده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال (( بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحَجَّة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنىَ أن لا يحُجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميدٌ: ثمَّ أردفَ النبـي صلى الله عليه وآله وسلم بعلـيّ بن أبي طالب فأمرهُ أن يؤذن ببراءة . قال أبو هريرة فأذن معنا عليٌّ فـي أهل منىَ يوم النَّحـر ببراءة، وأن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريان))(21) أقول:

وأما إرداف عليّ فلأنه لا يبلّغ هذا الأمر إلا النبي أو أحد من أهل بيته، لما أخرجه الطبراني عن أبي رافع في جزء منه فأتاه فقال (( إنه لن يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك ))(22)، فإرسال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي كان لهذا السبب وليس لمنع أبي بكر وهو الذي استخلفه على الحج وكان علي من جملة أصحابه.

أما قوله ((ولا أن يقول يوم إعطاء الراية في خيبر: لأعطين رايتي غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّاراً ليس فرّاراً امتحن الله قلبه بالإيمان، فأعطاهاإلى عليّ ولم يعطها إليه ))(23) ثم يعزو الرواية إلى صحيح مسلم.

أقول: لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ في مسلم، وإنما الذي ورد في صحيح مسلم هو ما رواه أبو هريرة (!) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم خيبر (( لأعطيّن هذه الراية رجلاً يُحبُ الله ورسوله. يفتح الله على يده. قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، قال: فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب فأعطاه إياها.وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. قال: فسار عليٌّ ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمد رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقّها، وحسابهم على الله ))(24) ففي هذا الحديث الإخبار عن فضائل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وليس في الحديث تنقيص لأبي بكر البتّه، ولم تكن الراية مع أبي بكر حتى يعطيها لعلي ولا يعطيها لأبي بكر، وليس من المعقول أنْ يُخصّ أبا بكر وحده بالفضل دون جميع الصحابة ويحوز كل الإمتيازات وبقية الصحابة لا فضل لهم، حتى لو أعطيت فضيلة لأحد غيره أصبحت هذه مذمّة له!؟ وقول النبـي صلى الله عليه وآله وسلم ( لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ) لاشك أن هذا من فضائل عليّ، ولكن لا يقول عاقل أن هذا مختص بعلي وحده أي لأنه يحب الله ورسوله وحده ولا يشاركه أحد من الصحابة في ذلك، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهد لعبد الله بن حمار وقد جاء ليحد على شربه للخمر أكثر من مرة، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( لا تلعنوه، فولله ما علمت إلا أنه يُحب الله ورسوله ))(25) فهل يقول عاقل أنها تختص به؟ ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كُثر، فليس من المقبول أن توكل جميع الأمور والمدائح والفضائل والأسبقية لصحابي واحد، بل كل صحابي من المقربين، له منزلة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا شك أنّ من شهد الله ورسوله له بالصحبة أنه يحب الله ورسوله، فبطل الاحتجاج بهذا الحديث على أفضلية عليّ على أبي بكر، ولا أنسى أن أذكّر التيجاني أنّ راوي الحديث هو الصحـابي الجليـل أبو هـريرة الذي تتهمـه بأنه يختلق ويدسّ الأحاديث في فضائل أبي بكر ومن المتحاملين على الإمـام علـيّ، فكيف توفّق بين إيراده لهذا الحـديث العظيم في فضل عليّ وادعائك المشحون بالكذب والتحامل على خير الخلق؟! 

أما قوله (( ولو علم الله أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان وأنّ إيمانه يفوق أمـة محمد بأسرها فلـم يكن الله ليهدده بإحباط عمله عندما رفع صوته فوق صوت النبي ))(26)،   قلت:

هذه الآية نزلت لتأديب المسلمين عامة وللصحابة بالأخص، في كيفية معاملتهم مع نبي المرحمة صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره وتبجيله، والآية عامة اللفظ إلا أن يأتي ما يخصصها، فكيف يقول هذا التيجاني أن الله سبحانه يهدده ( هكذا ) بإحباط عمله، وقد ذُكِرَ أنّ سبب نزول الآية أكثر من سبب منها أن أبا بكر وعمر تماريا فنزلت هذه الآيات وابتدأت بـ{ يا أيها الذين آمنوا...} ومن هنا نعلم أن نزول هذه الآية هي لتربية الصحابة وتعليمهم وتنبيههم لهذا الأمر بالقرآن، ليكونوا خير الناس بصحبة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وليست تختص بأبي بكر وحده، فقد روى مسلم أنها نزلت في ثابت بن قيس فعن أنس بن مالك أنه قال (( لما نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، إلى آخر الآية. جلس ثابت بن قيس وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أَشتكى؟ قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال ثابت: أُنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل هو من أهل الجنة ))(27) فكيف بأبي بكر الذي بشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة مرات ومرات، والذي كان من أول المستجيبين والمتأدبين مع هذا الأمر الإلهي، فقد أخرج الحاكم في المستدرك موصولاً وابن مردويه من طريق بن شهاب عن أبي بكر قال (( لما نزلت لا ترفعوا أصواتكم.. الآية، قال أبي بكر: قلت يا رسول الله آليت أن لا أكلمك إلا كأخي السرار ))(28) وخلاصة القول أن أبا بكر الصديق ليس معصوماً بل يخطئ ويصيب، وينبّه على خطئه، فالقرآن يؤدبه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يربّيه، وهذا مدح له وليس قدح به هذا لمن يفهم.

ثـم يكـرر مـا سبق الجواب عليه ثم يقول (( .. وأنه لم يكن أحرق الفجاءة السلمي ))(29)، أقول: عجباً والله من هؤلاء الزعانف الذين يحتجون بما هو حجة عليهم لا لهم (( فالإحراق بالنار عن عليّ أشهر وأظهر منه عن أبي بكر، وأنه قد ثبت في الصحيح أن علياً أُتي بقوم زنادقة من غلاة الشيعة، فحرّقهم بالنار، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرّقهم بالنار، لنهْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُعذّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( من بدل دينه فاقتلوه ) فبلغ ذلك علياً، فقال: ويح أبن أم الفضل ما أسقطه على الهنات. فعلـيّ حرّق جماعة بالنار، فإن كان ما فعله أبو بكر منكراً، ففعل عليّ أنكر منه، وإن كان فعل عليّ مما لا يُنْكر مثله على الأئمة، فأبو بكر أولى أن لا ينكر عليه ))(30).

أما قوله (( وأنه يوم السقيفة كان قذف الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبي عبيدة ))(31).  قلت:

هذه الحجة المردودة أجاب عليها الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري بما يغني عن الرد فقال (( وقد استشكل قول أبي بكر هذا مع معرفته بأنه الأحق بالخلافة بقرينة تقديمه للصلاة وغير ذلك، والجواب أنه استحيى أن يزكي نفسه فيقول مثلا رضيت لكم نفسي، وانضم إلى ذلك أنه علم أنّ كلا منهما لا يقبل ذلك، وقد أفصَح عمر بذلك في القصة، وأبو عبيدة بطريق الأولى لأنه دون عمر في الفضل باتفاق أهل السنة، ويكفي أبا بكر كونه جعل الاختيار في ذلك لنفسه فلم ينكر ذلك عليه أحد، ففيه إيماء إلى أنه الأحق، فظهر أنه ليس في كلامه تصريح بتخلية من الأمر))(32)، وقال في موضع آخر (( وتمسّك بعض الشيعة بقول أبي بكر ( قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ) بأنه لم يكن يعتقد وجوب إمامته ولا استحقاقه للخلافة، والجواب من أوجه: أحدهما ان ذلك كان تواضعاً منه، والثاني لتجويزه إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وإن كان من الحـق له فـله أن يتبرع لغيره، الثالث أنه علم أن كلا منهما لا يرضى أن يتقدمـه فأراد بذلك الإشارة إلى أنه لو قدر أنه لا يدخل في ذلك لكان الأمر منحصـراً فيهما، ومن ثم لمّا حضره المـوت استخلف عمر لكون أبي عبيدة كـان إذ ذاك غائبـاً في جهـاد أهل الشـام متشاغلا بفتحها، وقد دلّ قـول عمـر ( لأن أُقـدم فتُضرب عنقـي ألخ ) علـى صحة الإحتمـال المذكور ))(33).

ثم يقول (( فالذي هو على هذه الدرجة من الإيمان ويرجح إيمانه على إيمان كل الأمة لا يندم في آخر لحظات حياته على ما فعله مع فاطمة وعلى حرقه الفجاءة السلمي وعلى توليه الخلافة، كما لا يتمنى أن لا يكون من البشر ويكون شعرة أو بعرة، أفيعادل إيمان مثل هذا الشخص إيمان الأمة الإسلامية بل يرجح عليها ))(34).  أعتقد أنني قد أجبت على كل ذلك، ولكن الغريب هنا ملاحظة كثرة تكرار التيجاني لكلامه بما يوحي أن المؤلف نفسه لا يصدق ما يكتب، أو لعله يظن أن القـراء قليـلو الفـهم فيجـب تكرار الكـلام عليهم حتى يعوهُ، متخـذاً المثـل القائل ( تكرار الكلام يعلم الشطار )!!

ثم يهذي فيقول (( وإذا أخذنا حديث ( لو كنت متخذاً خليلاً لأتخذت أبا بكر خليلاً ) فهو كسابقه،  فأين كان أبو بكر يوم المؤاخاة الصغرى في مكة قبل الهجرة ويوم المؤاخاة الكبرى في المدينة بعد الهجرة وفي كلتيهما اتخذ رسول الله (ص) علياً أخاً له وقال له ( أنت أخي في الدنيا والآخرة ) ولم يلتفت إلى أبي بكر فحرمه من مؤاخاة الآخرة كما حرمه من الخُلّة، وأنا لا أريد الإطالة في الموضوع وأكتفي بهذين المثلين اللذين أوردتهما من كتب أهل السنة والجماعة،أما عند الشيعة فلا يعترفون بتلك الأحاديث مطلقاً ولديهم الأدلة الواضحة على أنها وضعت في زمن متأخر على زمن أبي بكر ))(35).

1ـ لو فرضنا جدلاً صحة ما يقوله هذا السماوي من عدم وجود أبي بكر يوم المؤاخاة الصغرى والكبرى واتخاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً أخاً له، فهل هذا يوجب القدح لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم،، وهل يجب أن يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفضائل كلها لواحد من الصحابة مثل أبي بكر دون الباقين حتى إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفضيلة لغيره مثل عليّ، أصبحت أحاديث أبي بكر ضعيفة؟!

2ـ يُعرف الحديث الصحيح من المكذوب من ناحيتي السند والمتن، وبالنسبة لحديث اتخاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر خليلاً، فهو من ناحية المتن لا قدح فيه لأن أبا بكر صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يوم مبعثه حتى وفاته وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يجلس مع صحابيّ مثل أبي بكر(36)، فهو يستحق أن يكون بهذه المنزلة العظيمة، وأما من ناحية السند فلا شك في صحة الحديث، فقد رواه جمع من الصحابة في الصحاح والمسانيد بالإسناد المتصل الثقة الخالي من العلل والجروح.

3ـ أما حديث المؤاخاة الصغرى والكبرى فهو من الأكاذيب، فالحديث الذي استند عليه هذا التيجاني وهو حديث ( أنت أخي في الدنيا والآخرة ) حديث موضوع، أخرجه الترمذي وابن عدي والحاكم كلهم من طريق حكيم بن جبير عن جميع بن عمير، وحكيم بن جبير هذا ضعيف، وجميع بن عمير كذاب قال عنه ابن