سادساً ـ إدعاء التيجاني أن أبا بكر خالف سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قتاله لما نعى الزكاة والرد عليه في ذلك:

يقول التيجاني (( والحادثة الثانية التي وقعت لأبي بكر في أول أيام خلافته وسجّلها المؤرخون من أهل السنة والجماعة اختلف فيها مع أقرب الناس إليه وهو عمر بن الخطاب تلك الحادثة التي تتلخّص في قراره بمحاربة مانعي الزكاة وقتلهم (!) فكان عمر يعارضه ويقول له لا تقاتلهم لأني سمعت رسول الله (ص) يقول: ( امرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه وحسابه على الله ) . وهذا نص أخرجه مسلم في صحيحه جاء فيه: ( أن رسول الله (ص) أعطى الراية إلى علي يوم خيبر فقال علي: يا رسول الله على ماذا أقاتلهم؟ فقال (ص) قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله ) ولكن أبا بكر لم يقتنع بهذا الحديث وقال: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حقّ المال، أو قال: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه) واقتنع عمـر بن الخطاب بعـد ذلك وقال: مـا إن رأيت أبا بكر مصمّماً على ذلك حتى شـرح اللـه صدري، ولست أدري كيف يشرح الله صدور قوم بمخالفتهم سنّة نبيّهم! ))(1).

1ـ إن قرار أبا بكر في قتال مانعي الزكاة هو الحق الموافق للكتاب والسنة، وما اتفقت عليه الأمة وفي هذا يقول الله سبحان { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقامـوا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } ( التوبة 5 ) وقوله تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصّل الآيات لقوم يعلموم } ( التوبة 11) فبيّن الله سبحانه في هاتين الآيتين أن شروط التوبة والدخـول في الإسلام يلزم منها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وعدم التفريق بينهما لذلك قال عبد الله بن مسعود (( أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له، وعن بن عباس { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة }، قال: حرّمت هذه الآية دماء أهل القبلة ))(2)، ويقتضي ذلك أنهم إذا أخلّوا بأداء الصلاة أو إيتاء الزكاة فإنه يباح قتالهم حتى يعودوا إلى أدائها كاملة، وهذا ما فعله الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع مانعي الزكاة لذلك قال ابن كثير معلقاً على هذه الآية (( ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله عز وجل وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهـذا كثـيراً مـا يـقرن الله بين الصـلاة والزكاة ))(3)، وقال عبد الرحمن بن زيد (( افترضت الصلاة والزكاة جميعاً لم يفرّق بينهما، وقرأ { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين }، وأبا أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه ))(4).

2ـ أما السنة فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله ))(5)، فهذا الحديث الصحيح يظهر بوضوح أن عصمة الدم والمال لا تتحقق إلا بتحقيق الإيمان، والإيمان الحقيقي لا يتحقق إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإذا منع الناس الزكاة وجب هنا القتال من أجل أخذها من المطالب بها إلى مستحقيها، وهذا فعله أبو بكر الصديق.

3ـ يبدوا أن التيجاني لا يعلم من المذهب الاثني عشري الذي هُدي إليه إلا اسمه، فالرافضة الاثني عشرية يثبتون في كتبهم أنّ الزكاة مثل الصلاة تماماً ومن المُسّلم به أنّ تارك الصلاة يقتل بلا خلاف فجعل الزكاة مثل الصلاة يبين أن حكمهما واحد وهذا ما اعترف به الرافضة فقد أورد إمامهم والذين يصفونه بالمحقق المحدث المتبحر محمد الحر العاملي في كتابه ( وسائل الشيعة ) (( عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: فرض الله الزكاة مع الصلاة ))(6)، (( وعن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى قرن الزكاة بالصلاة فقال: { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة ))(7)، فهل يريد التيجاني أكثر من ذلك؟! لا بأس! وهذا إمام القوم والذين يصفونه برئيس المحدثين يروي في كتابه ( من لا يحضره الفقيه ) ـ وهو أحـد الكتب الأربعـة التي تمثل مرجـع الإمامية في الفروع والأصول ـ (( عن أبي عبد الله عليه السلام: من منع قيراطاً من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم وهو قول الله عز وجل: { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلـي أعمل صالحاً فيما تركت } . وفي رواية أخرى لاتقبل له صلاة ))(8)

 وعن أبي جعفر عليه السلام قال (( بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله في المسجد إذ قال: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلّوا فيه وأنتم لا تزكون ))(9)، وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال (( من منع قيراطاً من الزكاة فليمت إن شاء يهوديّاً أو نصرانيّاً ))(10)

 ولا يكتفي بذلك بل يبيح قتله صراحة فيورد عن أبّان بن تغلب عنه عليه السلام أنه قال (( دمان في الإسلام حلال من الله تبارك وتعالى لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت فإذا بعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله عز وجل، الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه ))(11)!، فكيف إذن يعترض هذا التيجاني على أبي بكر قتاله لمانعي الزكاة حتى يعطوها ( وليس قتلهم بالطبع ) ولا يكون في نفسه غضاضة من أن تُضرب عنق مانع الزكاة على يد القائم الخيالي؟!! هكذا، فكبّر أربعاً على هدايتك أيها التيجاني!!

4ـ أما بالنسبة لاعتراض عمر بن الخطاب في البداية على أبي بكر فلأن الأمر قد استشكل عليه فقال ( كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ودمه ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ) فاستدل على العموم وبظاهر الكلام ولم ينظر في آخره وهو ( بحقه ) فردّ عليه أبا بكر بأنّه سيقاتل من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال فجعل الزكاة كالصلاة، ومعلوم أن قتال تارك الصلاة مما أجمع عليه الصحابة، والصلاة وحدها كافية لرد ما توّهمه عمر من الحديث الذي احتجّ به، والذي يعضّد ويقوّي قول أبو بكر هذا، هو الحديث الذي رواه ابن عمر والذي جاء في آخره ( إلا بحق الإسلام ) واستيفاء الحق المتضمن لعصمة الدم والمال هي الأمور المذكورة بالحديث، ولمّا تبين ذلك لعمر وظهر له صواب قول أبي بكر تابعه على قتال القوم فقال (( فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ))(12)، بما ظهر له من الأدلة والحجج المقامة على أنّ ما ذهب إليه أبو بكر هو الحق.

5ـ وبالنسبة لحديث علي يوم خيبر فيرد عليه بنفس الرد على حديث عمر ويرده أيضاً بأن تارك الصلاة مما أجمع الصحابة على قتاله فالحديث عام وتخصة الأحاديث الأخرى، على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي ( إلا بحقها ) فمن حقها كما بيّنت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

6ـ لعلّ أحداً يتساءل كيف لم يعرف عمر بن الخطاب بحديث ابن عمر؟ نقول إن في اعتراض عمر ليدلل أنه لم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل ما رواه ابن عمر وغيره من الرواة، ولعل ابن عمر وأبا هريرة سمعا هذه الزيادات في مجلس آخر ولو أن عمر سمع بهذا الحديث لما خالف أبا بكر الصديق واحتج بالحديث الآخر لذلك يقول ابن حجر (( وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويتطلع عليها آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خفى ذا على فلان؟ ))(13)، فإذا عرفنا ما سبق نعلم أن قول هذا التيجاني أن أبا بكر لم يقتنع بهذا الحديث من مجازفاته التافهه وجهله البارد! ونعلم أيضاً أنّ قوله ( ولست أدري كيف يشرح الله صـدور قومٍ بمخالفتهم سنة نبيهم ) يظهر كيف أثّرت شهادة الدكتوراة بعلم الفلسفة على كتاباته، وحملته على الطعن بخير القرون وحملة القرآن اعتماداً على استنباطاته الكسيحة!!

ثم يهذي فيقول (( وهذا التأويل، منهم لتبرير قتال المسلمين الذين حرّم الله قتلهم إذ قال في كتابه العزيز { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ولا تقولـوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤْمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم مـن قبـل فمنّ الله عليكم فتبيّنوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ))(14). قلت:

يأبى هذا التيجاني إلا أن يضيف الأدلة تلو الأدلة على إثبات جهله، فهو لا يرجع لسبب نزول الآية أو إلى أقوال المفسرين، بل يريد أن يثبت الجهل الذي تلفّع به فأصبح كالسفّود الذي لا ينفك عن صاحبه! وأمّا بالنسبة لهذه الآية فقد أخرج البخاري في صحيحه سبب نزولها فعن ابن عباس رضي الله عنهما (( { ولا تقولوا لمـن ألقى إليكم السلام لست مؤمنـاً } قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل اللـه في ذلك إلى قوله { تبتغون عرض الحياة الدنيا } تلك الغنيمة ))(15)، فبالله ما دخل قضية أبي بكر وعمر بهذه الآية فهما لم يختلفا على تكفير مانعي الزكاة وإنما اختلفا على جواز قتالهم، والقتال غير القتل، ومانعو الزكاة بغاة وجب أخذ الزكاة منهم بالقوة، وأبو بكر أجاز قتالهم لا قتلهم ولم يقل هؤلاء كفارٌ كأمثال مسيلمة الكذاب والأسود العنسي الذين قاتلهم الصديق أيضاً واعتبرهم كفّاراً وسبى ذراريهم وساعده في ذلك أكثر الصحابة واستولد علي بن أبي طالب جارية من سبي بني حنيفة، فولدت له محمد الذي يدعى ابن الحنيفية، فأبو بكر أجاز قتال مانعي الزكاة لا لأنهم كفار بل لأنهم أخلّوا بحق من حقوق الإسلام، ولم نعلم أن أبا بكر قاتل من جاءه مسلماً مستسلماً ذاعناً للحق، ولم يقاتل أبو بكر مانعي الزكاة لعرض الدنيا بل قاتلهم للحفاظ على شمولية هذا الدين، فكيف يستشهد هذا التيجاني بهذه الآية على قضية أبي بكر مع مانعي الزكاة؟! فما عساني إلا أن أدعو فأقول اللهم احفظ دينك من الرويبضة!!

ثم يتقدم خطوات في هذيانه فيقول (( على أن هؤلاء الذين منعوا إعطاء أبي بكر زكاتهم لم ينكروا وجوبها ولكنهم تأخروا ليتبينوا الأمر ويقول الشيعة إن هؤلاء فوجئوا بخلافة أبي بكر وفيهم من حضر مع رسول الله حجة الوداع وسمع منه النص على عليّ بن أبي طالب فتريّثوا حتى يفهموا الحقيقة، ولكن أبا بكر أراد إسكاتهم عن تلك الحقيقة وبما أنني لا أستدل ولا أحتج بما يقوله الشيعة (!!) سأترك هذه القضية لمن يهمّه الأمر ليبحث فيها ))(16).

فأقول له متسائلاً ألا يهمك هذا الأمر؟ فلماذا لم تبحث فيه؟! أليس لأنه أدنى من أن يلتفت إليه! ولماذا ذكرته في كتابك مستدلاً به؟ ومن أين جئت بهذا الادعـاء الذي يـقول بأن مـانعي الـزكاة تـأخـروا في دفعهـا ليتبينـوا الأمـر ولأنهـم فوجئـوا ( هكذا ) بخلافة أبي بكر إلى آخر هذا المين، وأنا واثـق من أنك جئت بهـذه الروايـة من كتاب ( إكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس ))!!!

ثم يقول (( على أنّني لا يفوتني أن أسجّل هنا أن صاحب الرسالة (ص) وقعت له في حياته قصة ثعلبة الذي طلب منه أن يدعوا له بالغنى وألحّ في ذلك وعاهد الله أنّه يتصدق ودعا له رسول الله وأغناه الله من فضله وضاقت عليه المدينة وأرجاؤها من كثرة إبله وغنمه حتى ابتعد ولم يعد يحضر صلاة الجمعة، ولمّا أرسل إليه رسول الله (ص) العاملين على الزكاة رفض أن يعطيهم شيئاً منها قائلاً إنّما هذه جزية أو أخت الجزية، ولم يقاتله رسول الله ولا أمر بقتاله وأنزل فيه قوله {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقن ولنكوننّ من الصالحين، فلمّا آتاهم الله من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون } وجاء ثعلبة بعد نزول الآية وهو يبكي وطلب من رسول الله قبول زكاته وامتنع الرسول حسب ما تقول الرواية، فإذا كان أبو بكر وعمر يتّبعان سنة الرسول فلماذا هذه المخالفة وإباحة دماء المسلمين الأبرياء لمجرّد منع الزكاة على أنّ المعتذرين لأبي بكر والذين يريدون تصحيح خطئه بتأويله بأنّ الزكاة هي حق المال، لا يبقى لهم ولا له عذر بعد قصة ثعلبة الذي أنكر الزكاة واعتبرها جزية، ومن يدري لعلّ أبا بكر أقنع صاحبه عمر بوجوب قتل من منعوه الزكاة أن تسري دعوتهـم في البـلاد الإسلامية لإحياء نصوص الغدير التي نصّبت عليّاً للخـلافة، ولذلك شرح اللـه صدر عمر بن الخطاب لقتالهم وهو الذي هـدّد بقتل المتخلّفـين في بيت فاطمـة وحـرقهم بالنار من أجل أخذ البيعة لصاحبه ))(17).

قلت: هذه الرواية التي احتج بها التيجاني ناقصة، فقد أخفى منها الجزء المتبقّي وهو أن ثعلبة قد (( أتى أبا بكر رضي الله عنه حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله منك، أنا أقبلها؟ فقُبِض أبو بكر رضي الله عنه ولم يقبلها، فلما ولي عمر أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبو بكر، أنا أقبلها؟ فقُبِض ولم يقبلها، ثم ولي عثمان رضي الله عنه فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبو بكر ولا عمر أنا أقبلها؟ وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه ))(18) ولست أدري لماذا أخفى هذه الرواية، فلعلّه اعتقد أن فيه مدحاً للخلفاء الثلاثة، ولكني أبشرّه بأن هذه الرواية ساقطة سنداً ومتناً ولا تقوم مقام الاستدلال، فمن ناحية السند فمدار الرواية على عليّ بن يزيد الألهاني وعمرو بن عبيد أبو عثمان البصري وهما مجروحان، فعلي بن يزيد قال عنه ابن حجر (( ضعيف ))(19)(( وقال البخاري: منكر الحديث، وقـال النسائي: ليس بثقة، وقـال أبو زُرعة: ليس بقوي، وقال الدارقطني: متروك ))(20) وقال يحي بن معين: علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة هي ضعاف كلها، (( وقال يعقوب: واهي الحديث كثير المنكرات، وقال الحاكم: ذاهب الحديث ))(21)

 وأمـا عمرو بن عبيد (( قال عنه ابن معين: لا يكتب حديثه، وقـال النسائي: متروك الحديث، وقـال أيوب ويونس: يكذب ))(22)

  (( وعن أحمد بن حنبل: ليس بأهل أن يحدث عنه، وعن يحي بن معين: ليس بشيء، وقال عمرو بن علي: متروك الحديث صاحب بدعة، وقال حاتم: متروك الحديث))(23) فهذه هي منزلة الحديث من ناحية السند وهي أوضح من أن أعلّق عليها بالإضافة لتضعيف العلماء لهذه الرواية فقد ضعّفها ابن حزم والبيهقي وابن الأثير والقرطبي والذهبي والهيثمي وابن حجر والسيوطي وغيرهم.

وأما من ناحية المتن فهي باطلة أيضاً وذلك للأسباب التالية:

أ ـ مخالفة القصة للقرآن الكريم فمن (( أصول الشريعة التي قررها الله في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن التائب لو بلغت ذنوبه عنان السماء ثم تاب، تاب الله عليه، قال جل شأنه { إنما التوبةُ على الله للذين يعملون السُّوء بجَهالةٍ ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوبُ الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تُبتُ الآن ولا الذين َيموتون وهم كفّار أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليماً } ( النساء 17ـ 18 ) ودليـل ذلك أيضـاً قـول الرسـول صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الله تعـالى يقبـل توبـة العـبد ما لم يغرغر ))(24) وهو بيان لقوله تعالى { وليست التوبة ...إذا حضر أحدهم الموت قال إني تُبت الآن } فالآية استثنت هذه الحالة فقط وأنها لا تقبل التوبة، وهذا دليل خطاب يدل على ان غير هذه الحالة تقبل فيها التوبة وهو ما قبل الموت، والقصة تؤكد أن ثعلبة تاب توبة نصوحاً فجاء يعرض صدقته على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأكد توبته مراراً فجاء أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لكنهم رفضوا قبول توبته، وأخبروه أن الله لم يقبل توبته وهذا خلاف ما تقدّم من النصـوص القاطعة التـي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا خلفهـا، والتي تقـرر { وهـو الذي يقبلُ التّوبةَ عن عباده ويعفو عن السيئات } ( الشورى 25 )، فإن قيل: أن ثعلبة منافق. قلت: حتى المنافقين فقد فتح الله لهم باب التوبة على مصراعيه قال الشاكر العليم { إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولنْ تجِد لهم نَصيراً إلا الذين تابوا وأَصلحوا واعتَصموا باللـه وأخْلصوا دينهم لله فأُولئك مـع المؤمنين وسوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أجراً عظيماً، ما يفعلُ اللـه بِعذابكُم إن شكَرْتم وآمنْتُم وكان الله شـاكراً عليـماً } ( النساء 145ـ 147 )، وقـال الغفـور الرحيم مخبراً عن المنافقين { ... فإنْ يَتوبوا يك خيراً لهم } ( التوبة 74 )، والقصة تنمّي في قلوب العصاة الذين جهلوا فاقترفوا بعض الذنوب واجترحوا السيئات صفة القنوط واليأس من رحمة الله، تلك الصفة التي لا يحبها الله ورسوله الذي بشّر الناس أنهم لو أتوا إليه بقُراب الأرض خطايا، واستغفروا الله لغفر لهم ولو لم يستغفروا لاستبدلهم الله بأناس يخطئون فيستغفرون فيغفر لهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم (( قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أُبالي، يا ابن آدم إنك لو اتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ))(25)

 وقال صلى الله عليه وآله وسلم (( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ))(26)(27).

ب ـ  (( أمر آخر يدحض هذه القصة ويردها، ويزيد في وجوب استبعادها، والذود عن عرض صاحبها ودينه، هو أن ثعلبة بن حاطب رضي الله عنه لا تُعلم له سنة وفاة على الحقيقة، وقد اختلف في سنة وفاته على أقوال عديدة. فأصحاب هذه القصة جعلوه متوفًى في خلافة عثمان رضي الله عنه، وهذا القول مردود من حيث السند لأنه والقصة أتى بإسناد واحد واه! وقيل إنه استشهد في أحد، وقيل إنه استشهد في غزوة خيبر، والقول الثاني ذكره ابن عبد البر وابن حجر. وسواء كان استشهاده في أحد أو خيبر، فالرجل توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند بعضهم وهو معارض للقصة القائلة بأنه هلك في خلافة عثمان، وما دام الاحتمال وارداً مع القصة، وهو ضعيف الإسناد لا يعتمد عليه، فإنه يتعين علينا المصير إلى الاحتمال الثاني أو الثالث، إذ لم يذكر غيرهما وهما ينسفان القصة نسفاً، ويقتلعان جذورها. أو التوقف في هذا الصدد إذ لم يتبين لنا ورود خبر صحيح بأحد هذين القولين، أو بهما )).

ت ـ إن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لا يستطيعون أن يمنعوا أحداً من عبادة يريد أداءها، وإلا كانوا صادين عن سبيل الله ـ وحاشاهم ـ بل إننا لنعجب من هذا، وأبو بكر رضي الله عنه قد حارب مانعي الزكاة، واعتبرهم مرتدين(*) عن دين الله تعالى وقال ( والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه )، فكيف ينسجم قتاله لمانعي الزكاة، مع منعه لمريد اخراج الزكاة من ذلك؟ ثم ألم يكن بإمكان ثعلبة أن يخرج زكاة ماله على فقراء المنطقة التي كان يعيش فيها؟ (( ولعل هذا هو السر في عدم ذكر التيجاني لبقية القصة لأنها تصطدم مع ادّعاءاته.

ث ـ إنّ المعروف من أحكام الإسلام أنه يعامل الناس على ظواهر أحوالهم وتلك هي كانت معاملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمنافقين، مع معرفته بنفاقهم، بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد صلّى على عبد الله بن أُبي بن سلول، وأعطاه ثوبه لُيكفّن فيه، عملاً بما كان يظهر من إسلامه، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنه في الدرك الأسفل من النار، فأين فعلة ثعلبة من هذا كله؟! ))

جـ ـ إن هذه القصة تخالف أسلوب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأسلوب الصحابة في معاملة مانعي الزكاة إذ إن الزكاة حق المال ـ كما سبق ـ هي حق للفقراء والمساكين وغيرهم، فالإمام مطالب بتحصيلها إذا امتنع الأغنياء من الدفع، وقد سبق معنـا كيف حـارب الصحابة مانعي الزكاة، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال ( من أعطى زكاة ماله مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها، فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء )، فضعاف النفوس والبخلاء الجشعون من أصحاب الأموال، ليس من الصواب معهم أن يعاملوا بما يوافق أهواءهم ورغباتهم، بل الحق معاكستهم فيما يرغبون مما هو محرّم، لأنه أصلح لأحوالهم وأعون لهم على نفوسهم وأجدى عائدة على المجتمع المسلم الذي ابتلي بأمثالهم! ))(28) فهذه الرواية باطلة سنداً ومتناً وكل ما جَعْجَعَه التيجاني مستنداً به على هذه الرواية ذهب أدراج الرياح.

--------------------------------------------

(1) ثم اهتديت ص (153 ـ 154).

(2) تفسير الطبري جـ6 ص (328).

(3) تفسير ابن كثير جـ2 ص (349).

(4) تفسير الطبري جـ6 ص (349).

(5) صحيح البخاري كتاب الإيمان ـ باب ـ(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) برقم (25) جـ1 ، مسلم مع الشرح كتاب الإيمان برقم (22).

(6) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للعاملي جـ6 ص (5 ـ 11) كتاب الزكاة ـ أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه . وراجع من لا يحضره الفقيه جـ2 ص (11).

(7) فروع الكافي للكليني ـ باب ـ في منع الزكاة جـ3 رقم (23) ص (503).

(8) من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي جـ2 ص (12 ـ 13) باب ( في ما جاء في مانع الزكاة ).

(9) المصدر السابق جـ2 ص (13).

(10) فروع الكافي جـ3 ص (502).

(11) من لا يحضره الفقيه جـ2 ص (12) وفروع الكافي جـ3 ص (500).

(12) راجع صحيح البخاري كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة رقم (6854).

(13) الفتح جـ1 ص (96).

(14) ثم اهتديت ص (154).

(15) صحيح البخاري كتاب التفسير سورة النساء برقم (4315).

(16) ثم اهتديت ص (154).

(17) المصدر السابق ص (154 ـ 155).

(18) المعجم الكبير للطبراني جـ8 برقم (7873) ص (218).

(19) تقريب التهذيب لابن حجر برقم (4883) جـ1.

(20) ميزان الإعتدال للذهبي برقم (5966)جـ3 ص (161).

(21) تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي برقم (4154) جـ21.

(22) ميزان الإعتدال برقم (6404) جـ3 ص (273).

(23) تهذيب الكمال (4406) جـ22 ص (123).

(24) رواه الترمذي كتاب الدعوات برقم (3537) وراجع صحيح الترمذي برقم (2804).

(25) سنن الترمذي كتاب الدعوات برقم (3540) وراجع صحيح الترمذي برقم (2805).

(26) مسلم مع الشرح كتاب التوبة ـ باب ـ سقوط الذنوب بالإستغفار برقم (2749).

(27) الشهاب الثاقب في الذب عن الصحابي الجليل ثعلبة بن حاطب لسليم الهلالي ص (18 ـ 22) بتصرف.

(*) أي اعتبرهم مرتدين ردة مجازية لا ردة حقيقية.

(28) ثعلبة بن حاطب المفترى عليه لعداب الحمش من ص (78 إلى 83).