ثانياً: الرد على التيجاني في موقفه من الصحابة في رزيَّة يوم الخميس:

يقول التيجاني (( ومجمل القصة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله قبل وفاته بثلاثة أيام فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة ليكتب لهم كتابا يعصمهم من الضلالة، ولكن الصحابة اختلفوا ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر، فغضب رسول الله وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئا، وإليك شيئا من التفصيل، قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله وجعه، فقال: هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر إن النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله (ص) قوموا عني، فكان ابن عباس يقول: إن الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم، هذه الحادثة صحيحة لا شك فيها، فقد نقلها علماء الشيعة ومحدثوهم في كتبهم، كما نقلها علماء السنة ومحدثوهم ومؤرخوهم، وهي ملزمة لي على ما ألزمت به نفسي، ومن هنا أقف حائراً في تفسير الموقف الذي وقفه عمر بن الخطاب من أمر رسول الله، وأي أمر هو؟ أمر عاصم من الضلالة لهذه الأمة، ولا شك أن هذا الكتاب فيه شيء جديد بالنسبة للمسلمين سوف يقطع عليهم كل شيء ... ثم يتابع فيقول ... ولنترك قول الشيعة بأن الرسول أراد أن يكتب إسم علي خليفة له، وتفطن عمر لذلك فمنعه فلعلهم لا يقنعوننا بهذا الزعم الذي لا يرضينا مبدئياً ولكن هل تجد تفسيراً لهذه الحادثة المؤلمة التي أغضبت الرسول حتى طردهم وجعلت ابن عباس يبكي حتى يبلَّ دمعه الحصى ويسميها رزية، أهل السنة يقولون بأن عمر أحس بشدة مرض النبي فأشفق عليه وأراد أن يريحه، وهذا التعليل لا يقبله بسطاء العقول فضلاً عن العلماء، وقد حاولت مراراً وتكراراً التماس بعض الأعذار لعمر ولكن وقع الحادثة يأبى علـي ذلك، وحتى لو أبدلت كلمة يهجـر ( والعياذ بالله ) بلفظة ( غلبه الوجع ) فسوف لن نجد مبرراً لقول عمر ( عندكم القرآن ) حسبنا كتاب الله، أوكان هو أعلم بالقرآن من رسول اللـه الذي أنزل عليه، أم أن رسول اللـه لا يعي ما يقول (حـاشـاه) أم أنـه أراد بأمـره ذلك أن يبعث فيهـم الاختـلاف والفـرقة  أستغفـر الله ))(1).

وللرد على ما سبق أقول:

1ـ خلط التيجاني في هذا الحديث يبن أكثر من رواية مختلفة فقد ذكر أن الصحابة اتهموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( بالهجر ) وفي الحديث الذي ذكره في كتابه لا وجود لهذه الكلمة وفي الحديث أيضاً نقل قول ابن عباس ( يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله وجعه ) فهذه الجملة ليست من الحديث المذكور والذي يعزوه للبخاري في بـاب المـرض ( بـاب قول المـريض قـوموا عني  ) بهـامش كتـابه ولكنـها وكلمـة ( يهجر ) جزء من رواية أخرى تجاهلها هذا التيجاني لأنها توضح أموراً هامة في هذه الحادثة وهي رواية سعيد ابن جبير قال (( قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا ماشأنه؟ أهجر، استفهموه، فذهبوا يَرُدُّون عليه، فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خيرٌ مما تدعونني أليه، وأوصاهم بثلاث قال: أخـرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فَنَسِيتُها ))(2).

2ـ إذا أراد هـذا التيجـاني  أن يفسر  أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لقلب الموازين، فالكاتب الفاضل يدعي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أراد  أن يكتب لهم كتاباً يعصمهم من ( الضلالة )! هكذا بإطلاق، ومعلوم أن للضلالة معاني مختلفة، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ( لن تضلوا بعده  ) فإنه يخصه بأمر محدد كأن ينص على تعيين خليفة أو كتابة كتاب في الأحكام ليرتفع النزاع في الأمة وإلا فبالله كيف يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب أمراً يعصم الأمة به من الضلالة؟! فإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن الأمر ليس للوجوب فتركه.

3ـ يجب أن يعتقد كل مسلم (( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه ))(3) فإذا عرفنا ذلك تبين لدينا أنه لو أمر بتبليغ شىء حال مرضه وصحته فإنه يبلغه لامحالة  فــ(( لو كان مراده صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب مـالا يستغنون عنه لم يتركـه لاختلافهم ولا لغيره، لقوله تعالى { بلغ ما أنزل إليك } كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خـالفه ومعاداة من عاداه ))(4) فدل ذلك على أن ما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابته يحمل على الندب لا على الوجـوب وقد عـاش صلوات الله وسلامه عليه أربعة أيام بعـد ذلك ولم يأمـرهم بإعـادة الكتابة، وقوله في الرواية التى أخفاها الكاتب ( وأوصاهم بثلاث ) يدل على أن الذى أراد أن يكتبه لم يكن أمراً محتّماً لأنه لو كان مما أمر بتبليغه لم يكن يتركه لوقوع الاختلاف، ولعاقب الله من حـال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهـم لفظاً كما أوصاهم بإخـراج المشركين وغير ذلك(5).

4- أمّا ادعاؤه بقوله ( ولكن هل تجد تفسيراً معقولاً لهذه الحادثة المؤلمة التي أغضبت الرسول حتى طردهم )،   قلت:

لم يظهر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي غضب على صحابته أو أمر بطردهم (هكذا ) ولم يرد هذا المعنى في أيٍ من روايات الحديث السبع التي ذكرها البخاري في صحيحه، ولكنه لشدة إحساسه بالمرض طلب منهم الكف عن الجدال فيما بينهم، ويظهر هذا واضحاً في الرواية التي أوصاهم فيها بثلاثة أمور وذلك بعد جدالهم فلا دليل على أنه غضب منهم أو طردهم ولو فرضنا جدلاً أنه غضب منهم فليس في هذا قدح بهم لأنهم ليسوا معصومين من الوقوع بذلك والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يغضب ويرضى بل لعل غضبه على أصحابه يكون خيراً لهم فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هـريرة رضي اللـه عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (( اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة ))(6) وروى الطبراني في الكبير وأحمد في المسند قوله صلى الله عليه وآله وسلم في جزء من الحديث (( أيما رجل من أمتي سببته سُبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة ))(7) ثم أقول لهذا التيجاني ( المهتدي ) إذا لم تستطع أن تجد تفسيراً معقولاً ( لغضب ) النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصحابة كما تدعي فأقول لك أخرج البخاري عن علي بن أبي طالب قوله (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي عليه السلام ليلة فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يارسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً، ثم سمعته وهومول يضرب فخذه وهـو يقول { وكـان الإنسان أكثر شيء جدلا }))(8)! فهل يجد التيجاني تفسيراً معقـولاً لمخـالفة  (علي) أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واحتجـاجه بالقـدر حتـى جـعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضرب علـى فخـذه ويقول معترضاً ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) فإن وجد تفسيراً معقولاً لجدال علي ففعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لجدال الصحابة معقول جداً؟!

5ـ أما عن بكاء ابن عباس حتى بل دمعه الحصى وتسميته ذلك رزيّة فلست أدري والله ما الحجة التي فيه على أهل السنة فابن عباس كان يقول ذلك عندما يروي الحديث وليس عندما حدثت الحادثة، والروايات كلها تدل على ذلك ويحتمل أنه تذكر وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزاد في حزنه بالإضافة إلى أن عدم كتابة الكتاب كان هذا رزية في حق من شك في خلافة أبي بكر فلو كتب الكتاب لزال الشك وكذلك سمـى تلك الحادثة رزية لأن ابن عباس كان ممن وافق على ترشيح أبـي بكر، وعلـى كل حـال إذا اعتقد أحـد أن قول ابن عباس حـق في خـلافه مع عمـر فأقـول لا شك عندنا أن عمر كان أفقه من ابن عبـاس والحمد اللـه.

6ـ وقوله ( أهل السنة يقولون بأن عمر أحس بشدة مرض النبي فأشفق عليه وأراد أن يريحـه، وهـذا التعليل لا يقبله بسطاء العقـول فضلاً عن العلماء )

فأقـول:

سبحان الله على هذا العقلاني فإذا كان قول العلماء أن عمر أراد إراحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعليل لا يقبله بسطاء العقول؟! فهل القول بأن عمر وهو فاروق الأمة ومن خيرة الصحابة بعد أبي بكر تعمد إيذاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واتهامه بالهجر تعليل يقبله عظماء العقول يا تيجاني؟! فوالله لا يقول هذا إلامن جعل الجهل منهجه وطريقه، ولا شك لدينا أن هذا التعليل مقبول منطقياً خصوصاً إذا عرفنا أنه في الحديث اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه، ولكن ليس هذا هو السبب وحده الذي جعل عمر يقول ما قال بل لأنه ظهرت لديه قرينة تدل على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلملم يجزم بالكتابة فقال ما قال وهذا من اجتهاده،..كما تبين لعلي عندما دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم  للصلاة فاحتج بالقدر لأنه تبين أن النبي عليه السلام لم يقل هذا على سبيل الجزم أى بالوحي، والكاتب يدعي أن أهل السنة يتعللون عن عمر بأنه أراد أن يريح النبي صلى الله عليه وآله وسلم شفقة عليه وبما أنه نقل جزءاً من كلام أهل السنة مبتوراً فسأضطر لنقل بعض من أقوال علماء أهل السنة ليظهر للقارئ مدى قوة حجج أهل السنة في تعليل موقف عمر ومدى الفرق بين تعليل جاهل مفرط في جهله وبين عالم راسخ في علمه، يقول المازري عن هذه الحادثة (( إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم بل على الاختيار فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه صلى الله عليه وآله وسلم  كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضاً....))(9)

 وقال الإمام البيهقي في أواخر كتابه  دلائل النبوة (( إنما قصد عمر التخفيف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين غلبه الوجع ولو كان مراده صلى الله عليه وآله وسلم  أن يكتب ما لايستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره لقوله تعالى { بلغ ما أنزل إليك } كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه وكما أمر في ذلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك مما ذكره في الحديث ))(10) ويقول الإمام القرطبي (( ائتوني أمر، وكان حق المأمور أن يبادر للإمتثال لكن ظهر لعمر رضي الله عنه مع طائفة أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد للأصلح فكرهوا أن يكلفوه من ذلك مايشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وقوله تعالى { تبياناً لكل شيء } ولهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله، وظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن يكتب لما فيه من زيادة الإيضاح، ودلّ أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار، ولهذا عاش صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك أياماً ولم يعاود أمرهم بذلك ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور مالم يجزم بالأمر فإذا عزم امتثلوا ))(11)

 وقـال الخطابي (( لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحـالة التي جرت العـادة فيها بوقوع بعض مايـخالف الاتفاق فكان ذلك سبب توقف عمر، لا أنه تعمد مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا جواز الغلط عليه حاشا وكلا ))(12)

 ويقول النووي في شرحه لمسلم (( أما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب صلى الله عليه وآله وسلم أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لامحالة للاجتهاد فيها فقال عمر: حسبنا كتاب اللـه لقوله تعالى { مافرطنا في الكتاب من شيء } وقوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } فعلم أن اللـه تعالى أكمل دينه فأمن الضلالة على الأمـة وأراد الترفيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه ))(13) ومما يدلل على فقه وعلم عمر ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (( قـد كان في الأمم قبلكم محدثـون، فـإن يكن في أمتي أحد فعمر ))(14)

 وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها مايبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: ماأولت ذلك يارسول الله؟ قال الدين ))(15)

 وأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ((بينما أنا نائم إذ رأيت قدحاً أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى أني لأرى الرَّيَّ يخرج من أظافري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب فقالوا: فما أولته يارسول الله؟ قال العلـم ))(16)

 وهذا علي بن أبي طالب يمدح عمر بن الخطاب ويشهد بعدالته واستقـامته وذلك من كتاب الإمامية الحجة ( نهج البلاغة ) الذي جمعـه إمامهم (الشريف الرَّضى ) حيث يقول في جزء من خطبته (( ووليهم والٍ فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه ))(17) ويقول ابن أبي الحديد الشيعي شارح نهج البلاغة ((...هذا الوالي هو عمر بن الخطاب ))(18)

 فأقول للتيجاني المهتدي كما يقول الشاعر:

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً..........وآفته من الفهم السقيم.

7ـ وقـوله ( وحتـى لـو أبدلت كلمة يهجـر ـ والعياذ باللـه ـ بلفظة غلبـه الوجـع فسوف لـن نجـد مبرراً لقـول عمر ـ عندكم القرآن ـ حسبنا كتاب الله ) فأقول:

لا يوجد في أي من روايات الحديث بأن قائل هذه الكلمة هو عمر فقوله أنه لو أبدل كلمة ( يهجر ، بغلبه الوجع ) إيهام من هذا التيجاني بأن عمر القائل غلبه الوجع قد قال أيضا بأنه يهجر وهذا من الكذب البين على عمر لفروق المعنى بين الكلمتين ومن يجـد الكاتب وهو يقول وحتى لو أبدلت كلمة يهجر( والعيـاذ بالله ) يظن أنه أكثر ورعـاً وتورّعا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيالسخافاته الجاهلية !! .

وأما بالنسبة لكمة ( أهَجَرَ ) فإنها جاءت بصيغة الجمع وسبب قولهم ذلك إنكاراً لمن قال لاتكتبوا فقالوا كيف نتوقف هل تظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه ثم قالوا: إستفهموا للإنكار، وإن فرض صدور هذا الكلام عن بعضهم فلعل أحدهم اشتبه عليه الأمر فشك في ذلك لأنه ليس معصوماً والشك جائز عليه ولكن يستبعد ذلك لأنه لا بد أن ينكره الباقون، أو لعل قائل هذا القول هو من قرب دخوله في الإسلام  أو أن أحدهم أصيب بالحيرة لدى مشاهدته النبي  في حالته هذه فقال ما قال و (( الهجر في اللغة هو اختلاط الكلام بوجه غير مفهِم وهو على قسمين: قسم لا نزاع لأحد في عروضه للأنبياء عليهم السلام وهو عدم تبيين الكلام لبحَّة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم، والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشي العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر، وهذا القسم وإن كان ناشئاً من العوارض البدنية ولكن قد اختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياسا على النوم، ومنعه آخرون، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول، يعني أنَّا نرى هذا الكلام خلاف عادته صلى الله عليه وآله وسلم فلعلنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته فلا إشكال ))(19) فعلى العموم كل ما صدر عن الصحابة من أقوال لا تفيد الطعن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بيقين وليس فيها ما يقدح بعدالتهم.

8ـ وقوله (( أوكان هو أعلم بالقرآن من رسول الله.....الخ )) فقوله هذا لا يدل إلا على جهله المركب لأن قول عمر حسبنا كتاب الله هو رد على من نازعه لا رداً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافـة إلى أنـه تبين لديه أن الرسـول صلى الله عليه وآله وسلم لم يجـزم على الكتـابة فقال عمر قولته اعتماداً على قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } وقوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وهذا كما بينت سابقاً يدل على عميق فقهه وعلمه، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعي ما يقوله هو وما يقوله عمر، لذلك لم ينكر عليه قالته تلك تدليلاً على استصوابه ويعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا لن يبعث فيهم الاختلاف والفرقة وهو ما حدث بالفعل فقد رشح المسلمون ( أبا بكر الصديق ) فقطع الخلاف وكتب الله لصحابته في عهد أبي بكر حب الإئتلاف وبغض الاختلاف.

ثم يقول التيجاني ( ثم لو كان تعليل أهل السنة صحيحاً، فلم يكن ليخفى على رسول الله حسن نية عمر، ولشكره رسول الله على ذلك وقربه بدلاً من أن يغضب عليه ويقول أخرجوا عني ) أقول: يأبى هذا التيجاني إلا أن يبرهن على سوء فهمه وقلة حيلته فيعيد كلامه تكراراً ولله در القائل:

إذا لم يكن لك حسن فهم............أسأت إجابةً وأسأت فهماً!؟

فلو كانت حججك العقلانية صحيحة أن تقول سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم  على قول عمر ثم توقفه عن الكتابة يدل على موافقته له، ثم يجازف نحوياً فيقول ( بدلاً من أن يغضب عليه ويقول أخرجوا عني ) عجباً فالهاء في ( عليه ) عائدة على عمر والواو في (أخرجوا ) واو الجمع فكيف تستقيم الجملة هكذا؟ فالأصل أن يقال ( أن يغضب عليه ويقول أخرج عني ) ولو قال ذلك فلعلها كانت شبهة له وقول التيجاني هذا أعظم دليل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سكت عن قول عمر ولم يعترض عليه ولكن لما كثر اللغط والاختلاف قال ( دعوني ) وليس فيها ما يفيد الطرد والإخراج خاصةً إذا ما عرفنا أنه أوصاهم بعدها بثلاثة وصايا.

ثم يهذي التيجاني فيقول (( وهل لي أن أتساءل لماذا امتثلوا أمره عندما طردهم من الحجرة النبوية، ولم يقولوا بأنه يهجر؟ ألأنهم نجحوا بمخططهم في منع الرسول من الكتابة، فلا داعـي بعد ذلك لبقائهم، والدليل على أنهم أكثروا اللغـط والاختـلاف بحضرته (ص)، وانقسموا إلى حـزبين منهم من يقول: قربـوا إلى رسـول اللـه يكتب لكـم ذلك الكتاب ومنهم من يقول ما قال عمر أي أنه يهجر ))(20).

الله أكبر!؟ آلصحابة يخططون ضد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم  ليمنعوه من الكتابة!!! فهذا والله اعتقاد من لم يدخل في قلبه حب وتوقير لصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين آزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل عليه، وأفدَوهُ بأرواحهم وأهليهم بل وبكل ما يملكون ففتح الله لهم الدنيا وأذل لهم جبابرة الأرض من الفرس والروم بسبب نصرتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يأتي هذا الأنوك ليدعي أن الصحابة يخططون ضد من؟! رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !!؟ فإنها والله لإحدى الكبر فهل هذا هو المنطق السليم والعقلاني الذي أوصله إلى ما يخالف المعقول والمنقول؟!... سبحان الله أكلّ هذا التحريف ليحاول أن يجعل النص يخدم أهداف الرافضة الشنيعة للحط من الصحابة ولكن أَنّى لهم، ثم يعيد ويكرر حجته الخاوية على عروشها بأن عمر يقول بأنه يهجر ودون إطالة أقول الحقيقة ظاهرة والحمد لله.

ثم يدلل هذا المهتدي على أسباب هدايته فيقول (( والأمر لم يعد بتلك البساطة يتعلق بشخص عمر وحده ولو كان كذلك لأسكته رسول الله وأقنعه (!) بأنه لا ينطق عن الهوى ولا يمكن أن يغلب عليه الوجع في هداية الأمة وعدم ضلالتها ولكن الأمـر استفحل واستشرى ووجد له أنصاراً كأنهم متفقون مسبقاً (!)، ولذلك أكثروا اللغط والاختلاف ونسوا أو تناسوا (!) قول اللـه تعالى { ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون }

فإن تعجب فعجب قولهم! فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغضب على عمر ويقول له وللباقين اخرجوا عني ألا يستطيع أن يسكت عمر؟ وفي الحديث أنه أوصاهم بثلاث وصايا، وعدم إسكاته دليل على الموافقة له والرضا بما قال، أما أنهم أكثروا اللغط ونسوا أو تناسوا ( هكذا ) قول اللـه سبحانه ( الآية ) فأقول لهـذا التيجـاني: الصحـابة لم يرفعـوا أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل رفعوا أصواتهم على بعضهم البعض وهـذا جـائز بدلالة الآية وعلى هذا فاحتجاجك السقيم ردٌ عليك.

ثم يخرج التيجاني أوضاره فيقول (( وفي هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الأصوات والجهر بالقول إلى رميه (ص) بالهجر والهذيان  والعياذ بالله (!!) ثم أكثروا اللغط والاختلاف وصارت معركة كلامية بحضرته وأكاد أعتقد بأن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر ولذلك رأى رسول الله (ص) عدم الجدوى من كتابة الكتاب لأنه علم بأنهم لم يحترموه (!!) ولم يمتثلوا لأمر الله فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته، وإذا كانوا لأمر الله عاصين فلن يكونوا لأمر رسوله طائعين (!)، واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب لأنه طعن فيه في حياته فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته، وسيقول الطاعنون: بأنه هجر من القول ولربما سيشككون في بعض الأحكام التي عقدها رسول الله في مرض وفاته (!)، إذا اعتقادهم بهجره ثابت، أستغفر الله (!) وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الأكرم (!!)، كيف لي أن أقنع نفسي وضميري الحر(!) بأن عمر بن الخطاب كان عفوياً في حين أن أصحابه ومن حضروا محضره بكوا لما حصل حتى بل دمعهم الحصى وسموها رزية المسلمين، ولهذا فقد خلصت إلى أن أرفض كل التعليلات التي قدمت لتوجيه ذلك، ولقد حاولت أن أنكر هذه الحادثة وأكذبها لأستريح من مأساتها (!) ولكن كتب الصحاح نقلتها وأثبتتها وصححتها ولم تحسن تبريرها ))(21)!

هاهو التيجاني يدلي بوعائه ليخرج لنا قيحه الذي سود به صفحات كتابه، ولم يدر أنه بكلامه هذا قد خلع ربقة الإسلام من عنقه! فكيف يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى عدم الجدوى من كتابة الكتاب واقتضت حكمته ذلك (( هكذا!! )) بحجة أن الصحابة ( لن ) يحترموه و( لن ) يمتثلوا أمره بالإضافة إلى طعنهم به!! ولو فرضنا ( اعتباطاً ) أن هذا حق فكيف يتوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كتابة ما أمر ببلاغه وهو الرسول المبلغ عن رب العالمين؟ وليس هو مخيرٌ في ذلك والله يقول { يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس ...} ( المائدة 67) ويقول سبحانه { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ( النجم 3ـ 4) فلا بد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من التبليغ سواءٌ بالكتابة أو بالقول كما أمرهم بإخراج المشركين من جزيرة العرب وغيره، وادعاء التيجاني هذا هو طعن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ كيف يتوقف عن التبليغ لمجرد الطعن به؟! ومن قرأ كتاب الله يعلم مدى جهل هذا التيجاني بحقيقة الرسالة لأن الرسل جميعاً تعرضوا من أقوامهم لشتى أنواع التعذيب الجسدية والنفسية فلم تثنيهم هذه العذابات عن المضي قدماً بتبليغ رسالة الله، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء قد تعرض لأنواع من الاغراءات ثم التهديدات والتعذيب ليثنيه المشركون عن تبليغ رسالة السماء، فقاموا بالاعتداء عليه وعلى أصحابه وتعذيبهم وحاصروه وقومه بشعاب مكة ورموه بألقاب السخرية والاستهزاء كالساحر والمجنون فلم تقف هذه الضغوط في طريقه ليبلغ دين الله كاملاً غير منقوص وجاهد في سبيل الله مع أصحابه حتى مكن الله له في الأرض وجعل دينه يعلوا على كل الأديان وبذلك استحق أن يكون خير رسل الله أجمعين، ثم يأتي هذا الرويبض ليدعي على نبي المرحمة صلوات الله وسلامه عليه أنه توقف عن تبليغ أمر الله عاصماً للأمة من الضلالة! لماذا؟ لمجرد عدم احترامه وإطاعة أمره أو الطعن به يتراجع عن تبليغ ما أمر ببيانه! فحاشا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فلا بد من أن يبلغ الرسالة وأن يظهر الحق وإن حاربه أهل الأرض جميعاً وليظهر أهل الحق من أهل الباطل ويعرف أولياءه من أعدائه، فمن اتبع أمر الله ورسوله نجا ومن خالف فقد هلك ولذلك أنزل الله الرسل مبشرين للناس ومنذرين، ومن هنا نعلم أن الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابته ليس وحياً بل على سبيل الاختيار ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهوشه&#