ثالثاً: الرد على التيجاني في موقفه من الصحابة في سرية أسامة رضي الله عنه: 

يقول التيجاني (( مجمل هذه القصة: أنه (ص) جهز جيشاً لغزو الروم قبل وفاته بيومين، وأمّر على هذه السرية أسامة بن زيد بن الحارثة وعمره ثمانية عشر عاماً، وقد عبّأ (ص) في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين فطعن قوم منهم (!!) في تأمير أسامة، وقالوا: كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد، حتى غضب (ص) غضبا شديداً مما سمع من طعنهم وانتقادهم، فخرج (ص) معصب الرأس محموماً، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض بأبي هو وأمي، من شدة ما به من لغوب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ( أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله وأيم الله أنه كان خليقا بالامارة و أن ابنه من بعده لخليق به......ثم يقول ( ثم جعل (ص) يحضهم على التعجيل وجعل يقول: جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة أرسلوا بعث أسامة، يمرر ذلك على مسامعهم وهم متثاقلون وعسكروا بالجرف وما كادوا يفعلون ))(1).

هذا ما قاله والله هذا التيجاني وقد عزا هذا الإجمال في القصة الى أربعة مصادر وهي ( طبقات ابن سعد، تاريخ ابن الأثير، السيرة الحلبية، تاريخ الطبري ) ، وهنا أجدني مضطراً لكي أنقل رواية سرية أسامة من هذه الكتب المعزو اليها لنرى هل أجمل التيجاني ونقل نقلا صحيحا أم كذب كذباً صريحاً؟!

يقول ابن سعد في كتابه ( الطبقات الكبرى في الجزء (الثاني) ص (189) في مبحث سرية أسامة بن زيد بن حارثة بالنص (( ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة الى أهل أُبْني، وهي أرض السراة ناحية البلقاء) .

قالوا: لما كان يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال: سر الى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أُبْني وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الأخبار، فإن ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك، فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده ثم قال: اغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله، فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة بن الخصيب الأسلمي وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبوبكر وعمر بن الخطاب و أبوعبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن الأسلم بن حريش، فتكلم (قوم)! وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيم الله إن كان للإمارة لخليقاً وإنّ إبنه لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإنهما لميخلان لكل خير، واستوصوا به خيرا فإنه من خياركم، ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة، فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبي مغمور، وهو اليوم الذى لدوّه فيه، فطأطأ أسامة فقبله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يضعها على أسامة، قال: فعرفت أنه يدعو لي، ورجع أسامة إلى معسكره ثم دخل يوم الإثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مفيقاً، صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: أغد على بركة الله، فودّعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاء يقول: إن رسول الله يموت، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يموت فتوفى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة يحبها ويرضاها، حين زاغت الشمس يوم الإثنين لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ودخـل المسلمون الذين عسكروا بالـجرف إلى المدينة ودخل بريدة بن الحصيب بلـواء أسامـة معقوداً حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغرزه عنده....))(2)، ويقـول ابن الأثير في كتابه ( الكامل في التاريخ ) في الجزء ( الثاني ) ص(182) في مبحث ذكر أحداث سنة إحدى عشرة بالنص (( في محرم من هذه السنة بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثاً إلى الشام وأميرهم أسامة بن زيد مولاه وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتكلم المنافقون في إمارته وقالوا: أمر غلاماً على جلة المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ( إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وإنه لخليق للإمارة، وكان أبوه خليقاً لها ) وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون منهم أبوبكـر، وعمر، فبينما الناس على ذلك ابتدأ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرضه ))(3) ويقول علي الحلبي في كتابه ( السيرة الحلبية ) في الجزء ( الثالث ) ص (207) في مبحث سرية أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه بالنص ((..لما كان يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة أمر صلى الله عليه وآله وسلم بالتهيؤ لغزو الروم فلما كان من الغد دعا صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد فقال سر إلى موضع أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فاغر صباحاً على أهل أُبنى وحرق عليهم وأسرع السير لتسبق الأخبار فإن ظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع معك فلما كان يوم الأربعاء بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فحم وصدع فلما أصبح يوم الخميس عقد صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة لواءً بيده ثم قال اغز باسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله فخرج رضي الله تعالى عنه بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا اشتد لذلك منهم أبوبكر وعمـر وأبـوعبيـدة بـن الجـراح وسعـد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم فتكلم ( قوم ) وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين والأنصار أي لأن سن أسامة رضي الله تعالى عنه كان ثمان عشرة وقيل تسع عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة ـ ثم يستشهد على سن أسامة بن زيد بقصة الخليفة المهدي واياس بن معاوية ثم يكمل فيقول ـ ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالتهم وطعنهم في ولايته مع حداثة سنه غضب صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً وخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميرى أسامة ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله وايم الله إن كان لخليقاً بالإمارة وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإنهما مظنة لكل خير فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم وتقدم أنه رضي الله عنه كان يقال له الحب ابن الحب وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح خشمه وهو صغير بثوبه ثم نزل صلى الله عليه وآله وسلم فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويخرجون إلى العسكر بالجرف وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يقول أرسلوا بعث أسامة أي واستثنى صلى الله عليه وآله وسلم  أبابكر وأمره بالصلاة بالناس أي فلا منافاة بين القول بأن أبابكر رضي الله عنه كان من جملة الجيش وبين القول بأنه تخلف عنه لأنه كان من جملة الجيش أولاً وتخلف لما أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة بالناس وبهذا يُرَدُّ قول ( الرافضة )! طعناً في أبي بكر رضي الله عنه أنه تخلف عن جيش أسامة رضي الله عنه لما علمت أن تخلفه كان بأمر منه صلى الله عليه وآله وسلم لأجل صلاته بالناس وقول هذا الرافضي مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لعن المتخلف عن جيش أسامة مردود لأنه لم يرد اللعن في حديث أصلاً(!!!) فلما كان يوم الأحد اشتد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فدخل أسامة من عسكره والنبي مغموراً فطأطأ رأسه فقبله وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة رضي الله عنه، قال أسامة فعرفت أنه صلى الله عليه وآله وسلم يدعو لي ورجع أسامة رضي الله عنه إلى عسكره ثم دخل عليه صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين فقال له صلى الله عليه وآله وسلم  اغد على بركة الله تعالى فودعه أسامة وخرج إلى معسكره وأمر الناس بالرحيل فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن رضي الله عنها قد جاءه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يموت، وفي لفظ فسار حتى بلغ الجرف فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول له لا تعجل فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثقيل فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يموت فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين زاغت الشمس ))(4)أهـ

ذكر الطبري في كتـابه ( تاريخ الأمم والملـوك ) روايتين عن قضية سرية أسامة بن زيد في مبحث الأحداث التي كانت في سنة أحدى عشرة الرواية الأولى (( عن عبيد بن حنين مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن أبي مويهبة مولى رسول الله، قال: رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بعدما قضى حجة التمام فتحلل به السير، وضرب على الناس بعثاً، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، وأمره أن يوطئ من آبل الزيت من مشارف الشام الأرض بـالأردن فقـال ( المنـافقـون )! في ذلك، ورد عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( إنه لخليق لها ـ أي حقيـق بالإمـارة ـ وإن قلتـم فيـه لقـد قلتـم في أبيـه مـن قبل، وإن كان لخليقاً لها )...)) والرواية الثانية (( عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ضرب بعث أسـامة فلم يستتب لوجع رسول اللـه ولخلع مسيلمة والأسود، وقد أكثر ( المنافقون ) في تأمير أسامة، حتى بلغه، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم  على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك الشأن وانتشاره لرؤيا رآها في بيت عائشة فقال: إني رأيت البارحة ـ فيما يرى النائم ـ أن في عضدي سوارين من ذهب، فكرهتهما فنفضتهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين ـ صاحب اليمامة وصاحب اليمن ـ وقد بلغني أن أقواماً يقولون في إمارة أسامة ولعمرى لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله وإن كان أبوه لخليقا بالإمارة وإنه لخليق لها، فأنفذوا بعث أسامة، وقال: لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فخرج أسامة فضرب بالجرف، وأنشأ الناس في العسكر، ونجم طليحة وتمهل الناس، وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يستتم الأمر، ينظرون أولهم آخرهم، حتى توفى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ))(5).

هذا ما ذكره هؤلاء الأربعة في كتبهم في مبحث سرية أسامة بن زيد ولم يذكروا غير ذلك، ولدى مقارنتها بما ذكر التيجاني في كتابه ( والذي ادعى أن ما نقله وأجمله من هذه القصة هو من تلك المصادر الأربعة ) فنستنتج ما يلي:

1ـ إدعى التيجاني بأن كبار الصحابة بما فيهم أبو بكر وعمر قد طعنوا في تأمير أسـامة فقال ( وقد عبأ (ص) في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمـر وأبي عبيدة وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين فطعن قوم ( منهم) في تأمير أسامة، وقالوا: كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه (!)، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد... ) .

قوله (منهم) (الهاء) هنا عائدة على الصحابة (والميم) ميم الجمع أي أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وكبار الصحابة ( المشهورين ) قد طعنوا في تأمير أسامة وأبيه وأكثروا النقد؟! ولدى مراجعتنا للمصادر الأربعة لا نجد لهذه الفرية أثراً فابن سعد في طبقاته وصاحب السيرة الحلبية يقولان ( فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبوعبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريش، فتكلم ( قوم ) وقالوا: .... ) فقوله تكلم ( قوم )، القوم هنا نكرة غير معروفين فلو كان يقصد بهم هؤلاء الصحابة لأضاف الضمير إليهم كما فعل هذا ( المنصف )! فأين هذه من تلك؟ فأي إسلال هذا بحقيقة المعنى!؟ والمصدران المتبقيان لا وجود لهذا المعنى فيهما، ومن هنا نعلم أن هؤلاء الصحابة الكرام أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وغيرهم من وجوه الصحابة هم أبعد الناس عن الطعن في أسامة أو أبيه وحاشاهم ذلك.

2ـ لم يكن أبوبكر في جيـش أسـامة لأنه قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه استخـلفه للصلاة في المسلمين وقد سبق أن ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك(6) ومنهـا الحـديث الذي يبين أن أبابكر كان يصلي بالمسلمين يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه كشف عن سترة الحجـرة فرآهم صفـوفا خلف أبي بكر، فكيف يكون في جيش أسامة إذاً؟!

3ـ يحـاول التيجاني إستثارة عاطفة القارىء فيتخذ من أسلوب المبالغة ما يخـالف به النقل فيقول (..فخرج (ص) معصب الرأس محموما يتهادى بين رجلين ورجـلاه تخطان في الأرض بأبي هـو وأمي، من شـدة ما به من لغوب ... ) سبحان الله! أي أمانة وإنصاف هذا الذي يجعله يغير الكلم عن مواضعه ويخترع في هذه القضية ما لم ينقله هؤلاء في كتبهم فهم يروون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (خرج وقد عصب على رأسه عصابة فصعد المنبر...) أما أنه خرج يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض(!) فهذا ما لم يذكره أحد منهم، وهذا في نظري ليس بغريب على رجل اتخذ من الرفض سبيلاً، لأن الكذب عند الرافضة منقبة وليس بمذمة!؟ وسيرى القارىء في ردودي أن هذا التيجاني قد اعتمد في تأليف كتابه على الكذب والتناقضات العجيبة وإليك المزيد.

4ـ يدعي التيجاني على الصحابة بقوله ( ثم جعل (ص) يحضهم على التعجيل وجعل يقول: جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة، أرسلوا بعث أسامة، يكرر ذلك على مسامعهم وهـم متثاقلون وعسكروا بالجرف وما كادوا يفعلون )!! ولكن ماذا ذكر الكتّاب المساكين في هذه القضية؟ لقد ذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أنقذوا بعث أسامة وكان ذلك يوم السبت ثم جاء أسامة يوم الأحد فدخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مودعاً له فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم  اغد على بركة الله، وعندما أراد أسامة الذهاب وأمر الناس بالرحيل جاءه الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يموت ولم يذكروا غير ذلك، ولكن هذا ( المهتدي ) قد هان عليه الكذب على صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فادعى زوراً أنهم تباطؤوا وتثاقلوا عن أمر نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وما من شك أن من يهن عليه الكذب بهذه القباحـة علـى خير الناس أنه من أضلّهم وأبعدهم عن الهداية والله المستعان.

5ـ ولكن من هو المتكلم والطاعن في تأمير أسامة رضي الله عنه؟! فمن خلال ما تقدم ذكره يتبين لنا بما لا يدع مجالاً لشاك بأن وجوه المهاجرين والأنصار من خيار الصحابة لم يطعنوا في تأمير أسامة وأن الذي تكلم في ذلك هم أشخاص نكرات غير معروفين وقـد ذكر الطبري والأثير ( والذي يستشهد التيجاني بهما ) أن الذين أطلقوا ألسنتهم في تأمير أسامة هم المنافقون، فلو كانوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذكر ذلك واحدٌ من المؤرخين فضلاً عن جميعهم، وقد حسمت الأمر في بداية كتابي مبيناً أن المنافقين ليسوا بأي حال من جملة الصحابة ولله الفضل والمنة، ومن هنا نعلم أن الصحابة العدول رضي الله عنهم وأرضاهم براء من ذلك الأمر وعليه تبطل كل خيوط العنكبوت التي نسجها هذا التيجاني حول هذه القضية ويظهر وهاؤها.

6ـ ليست الرزية في أن التيجاني يعزو إلى مصادر يكون من خلالها الرد عليه وعلى طائفته، ولكن الرزية كل الرزية! في التناقض الواضح والتخبط الشنيع عند البحث عن مثالب الصحابة، فالتيجاني يدعي أن الصحابة وأولهم  أبوبكر قد طعنوا في تأمير أسامة وهذا الذي ذهب إليه التيجاني لم يسبقه إليه أحد على ما أعتقد، لأن كل مبتغاه في هذه القضية هو البحث في أي حادثة يستطيع من خلالها الطعن في الصحابة فيبحث في جنباتها أو زواياها أو ينظرها من أعلاها وأسفلها لعله يظفر بشىء يستطيع منه استخراج ما يطعن به على الصحابة، فإن لم يجد فلا بأس من الإنتقال الى التزوير والتحريف في كتب التاريخ ووضع كلمات مكان أخرى أو حتى إضافة كلمات ليصل بها الى المراد، وهذا عين ما فعله التيجاني ( بالضبط ) في هـذه الحادثة ولكن ماذا فعل أسلافه السابقون من ( الهداة المهديين )؟! لقد بحثوا أيضا في جنبات هذه الحادثة علّهم يصلوا إلى ما يطعنون به في الصحابة فكانوا أوفر حظاً من التيجاني... فماذا وجدوا؟ يقول صاحب كتاب السيرة الحلبية ما نصه (.... وبهذا القول يرد قول الرافضة طعناً في أبي بكر رضي الله عنه أنه تخلف(7) عن جيش أسامة رضي الله عنه لما علمت أن تخلفه عنه كان بأمر منه صلى الله عليه وآله وسلم لأجل صلاته بالناس وقول هذا الرافضي مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لعن المتخلف عن جيش أسامة مردود لأنه لم يرد اللعن في حديث أصلاً ) أرأيت أخي القارىء تناقضات هؤلاء القوم، فمرة يطعنون في أبي بكر بحجة أنه من الطاعنين في تأمير أسامة وهذا يعني أنه كان في الجيش، ومرة يدّعون أنه تخلف عن جيش أسامة، فأتساءل ما ذنب هذا الصحابي المسكين إذا كان هؤلاء القوم يزيفون التاريخ ويقلبون الحقائق ويعبثون بالروايات للطعن به، وما دروا أن أقوالهم تضاربت ببعضها البعض وظهر زيفها وانقلبت حجة عليهم لا لهم، وأكاد أجزم أن التيجاني لا يستخدم عقله وهو يبحث في كتب التاريخ بل يستخدم عقاله!!

ثم يقول ( إن مثل ذلك يدفعني إلى أن أتساءل: ما هذه الجرأة على الله ورسوله؟! وما هذا العقوق في حق الرسول الأكرم الذي هو حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم؟ لم أكن أتصور كما لا يمكن لأحد أن يتصور تفسيراً مقبولاً لهذا العصيان، وهذه الجرأة ).

وأقول لهذا الذي استمرأ الكذب أعجب والله لهذه الجرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أليس الذى يزيف الحقائق ويكذب على الأمة للطعن بالصحابة الكرام طعن بمن صحبوه ألا وهو النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فكيف بالله بهؤلاء الصحابة الذين بايعوه على النصرة والدفاع عنه وجاهدوا معه في غزواته وعاشوا معه أعظم أيام حياته وتعلموا منه كل شيء، يطعن بهم؟ أليس الأحرى أن يطعن بمعلمهم لأنه فشل في تربية أصحابه لدرجة أنهم لا يحترمونه!! ولا ينفذون أوامره!! بل ويتآمرون عليه؟!! فأي جرأة هذه على الله ورسوله؟! وماذا بقي لأمة الإسلام بعدما طعن بحملة الكتاب وحفظة السنة؟! أظن أنه لم يبق لدينا إلا خزعبلات الرافضة الإثني عشرية فدونها قاع البحر!!

ثم يقول ( وكالعادة، عند قراءة مثل هذه الأحداث التي تمس كرامة الصحابة من قريب أو بعيد أحاول تكذيب مثل هذه القضايا وتجاهلها، ولكن لا يمكن تكذيب وتجاهل ما أجمع عليه المؤرخون والمحدثون من علماء السنة والشيعة ).

أى سماء تظل هذا السماوي فهو يكذب على الصحابة ثم يكذب ثم يحاول أن يكذِّب نفسه؟!! فيقول أحاول تكذيب مثل هذه القضايا فياللعجب ثم يفرط في الكذب ويدعي أن مؤرخي أهل السنة قد أجمعوا على أكاذيبه!! وقد مر معنا ما ذكره المؤرخون في هذه الحادثة وظهرت عدالة الصحابة وبراءتهم مما ادعاه التيجاني عليهم فلله الحمد والمنة.

ثم يقول ( وقد عاهدت ربي أن أكون منصفاً(!)، فلا أتعصب لمذهبي ولا أقيم وزنا لغير الحق، والحق هنا مرٌّ كما يقال، وقد قال عليه الصلاة والسلام ( قل الحق ولو كان على نفسك وقل الحق ولو كان مراًّ ...) والحق في هذه القضية: هو أن هؤلاء الصحـابة الذين طعنوا في تأمير أسامة قد خالفوا أمر ربهم وخالفوا الصريح من النصوص التي لا تقبل الشك ولا تقبل التأويل، وليس لهم عذر في ذلك، إلا ما يلتمسه البعض من أعذار باردة حفاظا على كرامة الصحابة و( السلف الصالح ) والعاقل الحر لا يقبل بحال من الأحوال هذه المتمحلات، اللهم إلا إذا كان من الذين لا يفقهون حديثا، ولا يعقلون، أومن الذين أعمت العصبية أعينهـم فلم يعـودوا يفرقون بين الفرض الواجب طاعته والنهي الواجب تركه، ولقـد فكرت ملياً عسانـي أجد عذراً لهؤلاء مقبولاً، فلم يسعفني تفكيري بطائل )(8)،  أقول:

أما بالنسبة لكونه عاهد الله على أن يكون منصفاً ولم يتعصب لمذهبه ولم يقم وزناً لغير الحق، فهذا القول أدعه للقارىء النبيه ليحكم على بطلانه وزيفه، وأما ادعاؤه أن الصحابة ( قد خالفوا أمر ربهم وخالفوا الصريح من النصوص التي لا تقبل الشك ولا التأويل وليس لهم عذر في ذلك ) فهذا لا يدل إلا على جهله وقلة بضاعته وإلا فمتى وكيف خالف الصحابة أمر ربهم! وأين هي تلك النصوص الصريحة التي لا تقبل الشك ولا تقبل التأويل؟ القضية هي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّر أسامة على الجيش فطعن بعض الناس في إمارته فتكلم النبي في ذلك ورجع هؤلاء عن طعنهم وامتثلوا أمره، فقد كان الناس يراجعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كثير من الأمور حتى يعزم فإذا عزم امتثلوا، وفي هذه الواقعة امتثل الناس جميعاً لأمر نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم بما في ذلك الطاعنون في تأمير أسامة، وأما قوله ( أن البعض يتلمس الأعذار ـ الباردة ـ حفاظاً على كرامة الصحابة و( السلف الصالح )! وأن العاقل الحر لا يقبل بحال من الأحوال هذه المتمحلات )!؟ فهذا والله من أعجب أقواله؟! فمن يقرأ ذلك الكلام يظن أن الصحابة عبارة عن قطاع طرق أو من رعاع الناس وسفهائهم، فكيف يسوغ للبعض تلمس بعض الأعذار الباردة حفاظاً على كرامتهم؟!! قاتل الله الرفض والرافضة، أيحتاج هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم الدفاع عن كرامتهم؟! كيف يكون ذلك وقد دافع الله سبحانه عنهم وترضى عليهم وشهد لهم بالخيرية وعظيم الإيمان وارتضاهم الله سبحانه لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وشهدت لهم الأرض التي وطؤوها والبلاد التي فتحوها على عظمتهم، ثم يأتي هذا الأنوك(9) بهذه السفسطة التي لا يتقبلها أغبياء الناس فضلاً عن العقلاء الأحرار!

ثم يقول (( وقرأت اعتذار أهل السنة على هؤلاء بأنهم كانوا مشايخ قريش وكبراءها، ولهم الأسبقية في الإسلام بينما أسامة كان حدثاً ولم يشارك في المعارك المصيرية لعزة الإسلام، كمعركة بدر وأحد وحنين ولم تكن له سابقة بل كان صغير السن عندما ولاّه رسول الله إمارة السريّة، وطبيعة النفوس البشرية تأبى بجبلتها إذا كانت بين شيوخ أن تنقاد إلى الأحداث وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبان ولذلك طعنوا في تأميره وأرادوا منه (ص) أن يستبدله بأحد من وجوه الصحابة وكبرائهم، إنه اعتذار لا يستند إلى دليل عقلي ولا شرعي ولا يمكن لأي مسلم قرأ القرآن وعرف أحكامه إلا أن يرفض مثل هذا، لأن الله عزوجل يقول {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } ))(*)

أقول: لهذا المهتدي أتحداك بأن تأتي بمصدر واحد لأهل السنة يعتذر بمثل ذلك الاعتذار المكذوب وأنى له ذلك، لأنه كما بينت سابقاً لم يقل أحد من المحدثين والمؤرخين أن الصحابة ( الكبار ) والذين هم مشايخ قريش وكبراؤها! قد طعنوا في تأمير أسامة فكيف يعتذرون عنهم؟؟!...وهو يقول قرأت اعتذار أهل السنة والقارئ حجة على من لم يقرأ! فعليه أن يبين لنا من أي مصدر قرأ هذا الكلام وإلا فليلقم فاه حجراً ويكف عن أكاذيبه.  

ثم يهذي بكلام مكرر فيقول (( وإذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية فإننا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها وأشهر أقطابها إذ أنه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره فقال له أبو بكر: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أتأمرني أن أعزله وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأين هو عمر الملهم من هذه الحقيقة التي أدركها، أم أن في الأمر سراً آخر خفي على المؤرخين أم أنهم هم الذين أسرّوه حفاظاً على كرامته كما هي عادتهم وكما أبدلوا عبارة ( يهجر ) بلفظ ( غلبه الوجع )...))(10)

  أقول:

هـذه الرواية التي ساقها هذا التيجـاني رواية ضعيفة لأن فيها سيف بن عمر الضبي ذكره العقيلي في الضعفـاء(11) وقال عنه الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) (( مصنف الفتوح والردة وغير ذلك، هو كالواقدي يروي عن هشام بن عروة، وعبيد بن عمر، وجابر الجعفي، وخلق كثير من المجهولين، كان أخبارياً عارفاً روى عنه جبارة بن المفلس، وأبو معمر القطيعي، والنصر ابن حماد العتكي، وجماعة، قال عباس، ع