[1]
خالد
وحيدر
حوار
هادئ ومثمر
جمع
الحوار
عبد
الله عبدالرحمن الراشد
1421 هـ - 2000 م
دار
الأمل للنشر والتوزيع القاهرة
[ 2 ]
{ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم }
«
اللهم يا معلم إبراهيم علمنا ويا مفهم سليمان فهمنا ما ينفعنا »
الفهرس
المقدمة
قبل طرق باب النقاش
مبحث : ظهور الشيعة
ابن سبأ وعلاقته بظهور
الشيعة
ادعاء أن الصديق اغتصب
الخلافة
اهتمام الشيعة بقضية الإمامة
الإمامة منصب إلهي
هل هناك نص على خلافة علي
تنازل الحسن عن الخلافة
مبحث : العقيدة السليمة
معنى كلمة الشرك
تعريف الخميني لمفهوم الشرك
فتاوى تجيز فعل الشرك
مقولة مهمة لجعفر الصادق
مبحث : العصمة
آية الولاية وإذهاب الرجس
آية الولاية وتعلقها بنساء النبي
صلى اللّه عليه وسلم
الإمام منزه عن العيوب
الدليل على صدور الزلل من
الأنبياء
هل جميع آل البيت معصومون ؟
الأئمة لا يناقشهم أحد
ولاية الفقيه
الأئمة يخطئون ويذنبون
مبحث : التقية
التقية تستعمل في كل شيء
المرأة ترث من العقار والدار
التحريم والتحليل يكون وفق ضرورات
المذهب
التقية شعار الشيعة
مبحث : علم الحديث والتصحيح
والتضعيف
العاملي وقيوده في علم
الحديث
رواة الشيعة وزياداتهم على
الأئمة
الحكم على كتاب « أصول الكافي
»
الحكم على كتاب « تهذيب الأحكام
»
التيجاني وكتاب « أصول الكافي
»
كتاب « رجال الكشي » ونقد
الرواة
الشيعة يستدلون بأحاديث
البخاري
جهل علماء الشيعة بعلم
الحديث
مبحث : الشاذ من الأقوال
تناقض فتاوى أئمة الشيعة
أمثلة لبعض الفتاوى الشيعية
الشاذة
سبب وجود فتاوى شاذة عند
الشيعة
أئمة الشيعة يقرون بكذب
الشيعة
مبحث : غلو في محبة الآل
معنى العبودية ، واسم : عبد
الشيعة يفضلون العبودية لغير
الله
أمثلة للغلو في الأئمة
الخميني وتأكيده على أفضلية
الأئمة على الأنبياء
أمثلة للغلو في علي رضي الله
عنه
حرص النبي صلى اللّه عليه وسلم
على العقيدة السليمة
مبحث : الصحابة رضوان الله عليهم
تحديد معنى كلمة « صحابي »
التفريق بين العدالة ،
والحفظ
سبب تقاتل الصحابة رضي الله عنهم
كتاب : « خمسون ومائة صحابي مختلق
»
كيف نفرق بين المؤمن والمنافق
؟
روايات شيعية تطعن بالصحابة
الخميني وتفضيله لمجتمع إيران على
الصحابة
مجتمع الصحابة كالأسرة
الواحدة
مبحث : أبو هريرة
سبب حفظ أبي هريرة للأحاديث
عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة
عدد الأحاديث التي رواها رجال
الشيعة
عدالة رواة الشيعة
علماء الشيعة الأوائل يروون
أحاديث أبي هريرة
لماذا الطعن في أبي هريرة
مبحث : دعاء صنمي قريش
كتب ذكرت هذا الدعاء
علماء يوافقون على صحة هذا
الدعاء
دعاء صنمي قريش
مبحث : الاحتفالات الإسلامية
الاحتفال بعيد النيروز واستحباب
صيامه
مبحث : عيد الغدير
الرواية الصحيحة لغدير خم
الصحابة اختاروا علياً
للخلافة
معنى كلمة الولاية
مبحث : البكاء على الحسين رضي
الله عنه
صيام يوم عاشوراء
أمور منكرة يفعلها العوام في يوم
عاشوراء
النياحة من أعمال الجاهلية
مبحث : فضائل الحج إلى قبر الحسين
رضي الله عنه
الحج إلى قبر الحسين أفضل من
مكة
أين قبر علي رضي الله عنه ؟
روايات تدلل على أفضلية الحج إلى
قبر الحسين
لماذا لم يذكر القرآن الحج إلى
قبر الحسين
مبحث : الحسينيات
الفرق بين الخبر والإنشاء
مسمى « الحسينيات » ومن
ابتدعه
عدم الحرص على الصلاة
الجماعية
مبحث : عيش ولحم في الحسينيات
عدم وجود دليل على جواز ما يفعل
في الحسينيات
الحسين والثورات
مبحث : زيارة القبور
الخميني وفتوى : جواز الصلاة خلف
قبور الأئمة
الخير الذي يناله زائر قبر
الحسين
لماذا نزور المقابر ؟
مبحث : الحلف بآل البيت
والاستعانة بهم
استخدام « الواو » في اللغة
العربية
الحلف بجاه النبي صلى اللّه عليه
وسلم
مبحث : المجتهد والمرجع الديني
شروط ينبغي أن تتوافر في
المجتهد
تقليد العوام للعلماء
وكلاء المهدي المنتظر
مبحث : مصادر الأحكام الشرعية
هل كل مبلغ عن النبي يعتبر
معصوماً ؟
الأئمة لهم قولان في المسألة
الواحدة
مبحث : الرجعة
الاعتقاد الصحيح بمبدأ
الرجعة
مبحث : التبرك
التبرك من قضايا العقيدة
المهمة
مبحث : الشفاعة
مبحث : المهدي المنتظر
المهدي وسياسة القتل
المهدي ينتقم من العوام
المهدي لا وجود له
مبحث : أبو طالب
مبحث : معاوية ويزيد
تساؤلات حول معاوية
تساؤلات حول مقتل الحسين
مبحث : زوجات النبي صلى اللّه
عليه وسلمِ
خروج عائشة رضي الله عنها ضد علي
رضي الله عنه
مبحث : الخُمس
الخُمس فقط في الغنائم
الخُمس ووكيل الإمام
مبحث : المتعة
المتعة ؟
علي رضي الله عنه والمتعة
أحكام متعلقة بإباحة المتعة
مبحث : الوضوء
روايات شيعية في الوضوء
مبحث : علي ولي الله في الأذان
مبحث : التكتف في الصلاة
مبحث : الجمع بين الصلاتين
جمع النبي صلى اللّه عليه وسلم
بين الصلوات
مبحث : بناء المساجد
مبحث : لرؤية الهلال
متى يكون الفطر في رمضان
مبحث : مشاورة النساء
نصوص تمنع ترشيح المرأة
المرأة تمنع من تقديم
المشورة
أمثلة لتولي المرأة السلطة
مبحث : توقير آل البيت
قول نفيس للإمام الذهبي رحمه
الله
مبحث : مسلم وكافر
الصحابة جميعهم كفار إلا عدد
يسير
مبحث : التاريخ والبطولات
قاعدة مهمة لابن جرير الطبري في
روايات كتابه
كتب الشيعة في التاريخ
مبحث : ميراث النبي صلى اللّه
عليه وسلم
موقف فاطمة رضي الله عنها من
الصديق رضي الله عنه
مبحث : السحر والتنجيم
مبحث : تربة السجود
من فضائل تربة الحسين
مبحث : القرآن المحرف ، ومصحف
فاطمة
عدد الآيات في مصحف فاطمة
مزايا مصحف فاطمة
سبب إدعاء الشيعة تحريف
القرآن
مبحث : أنا مظلوم
مبحث : ميراث الجاهلية
طريقة لمعرفة الغيب
مبحث : مبدأ المخالفة
عوائق التقارب بين المذهبين
مبحث : توحيد المسلمين
مبحث : وسائل التقارب
معوقات التقارب بين الشيعة
والسنة
فتاوى غريبة للخميني
كتب نافعة
الخاتمة
[ 3 ]
المقدمة
الحمد لله رب العالمين . والصلاة
والسلام على سيد الأولين والآخرين ، المبعوث رحمة للعالمين ، الذي بلغ الرسالة
وأدى الأمانة ، وأكمل الرسالة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده ، حتى أتاه
اليقين من ربه ، فصلوات الله عليه وعلى اله الطيبين الطاهرين ، العترة الصاد قين ،
أهل الشجرة الزكيَّة ، والسيرة المرضية .
وعلى صحبه أئمة الدين ، الهداة
المهديين ، حملة لواء الفتح المبين ، الناصحين للمسلمين ، الباذلين للأموال
والأنفس لإعلاء كلمة رب العالمين .
وعلى من اتبعهم بماحسان إلى يوم
الدين .
قال
تعالى : { وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } (الحشر : 7) { لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثيرًا } . (الأحزاب :
21) { هُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ رَسَوله بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } . (الفتح : 28) { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاً الضّلالُ
} . (يونس : 32) .
وقال رسول الله صلى اللّه عليه
وسلم : « إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، ولا يزال الرجل يصدق ،
ويتحرى الصدق ، حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن
الفجور يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب ، ويتحرى الكذب ، حتى يكتب عند الله
كذاباً » [1]
.
[4]
أخى المسلم
في كل مكان وزمان .....
بعلم صحيح ، وعقل صريح ، متجرد عن
العاطفة ، والهوى ، وبفؤادٍ مليء بالصدق والحب ، لبلوغ الحق والهداية .. لنتحاور
حول ....
* ألسنا في بلد واحد ينعم بالخير والإيمان وبطاعة الله : فَلمَ نشق
الصفوف وتملأ الأفئدة ضغينة وبغضاً ؟
* أليس الحق له طريق واحد ، والضلال . له سبلٌ كثيرة مليئة
بالشبهات ، فلِم نحيد عن جادة الصواب ؟ والطريق يسع الجميع ، ليسير فيه .
* لِم نغرس في قلوب أبنائنا الضغينة والفرفة والتنافر ؟ ونحن أبناء
بلد واحد ، ننعم فيه بيسر أداء طاعة الله ، وعدم الظلم .
* لا يزال العدو يتربص بنا الدوائر ، ومازال بين صفوف المسلمين ،
من يفرق شملهم ، ويبدد جهدهم ، بدلاً من أن يحببهم إلى بعضهم البعض .
* ألا ترى تلك الروايات الآثمة المدسوسة على ديننا الحنيف ؟ ! لقد
شوهت الثوب الأبيض الجميل ، والذي ورثناه عن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم وغيّرت
من معالم الشرع الحنيف ، حينما تنادت فئة بالمكذوب السقيم ، وأبعدت الصحيح المنير
.
فبنداء الحق أدعوك يا أيها الأخ
العزيز لنتحاور على مائدة الهدى والرشاد ، ولنتساءل حول ما يقرب صفوفنا - بإذن الله
تعالى - ويلم شملنا ، ونكون يداً واحدة في بلد الخير . . دولة الكويت .
[5]
قبل طرق
باب النقاش :
لنبتعد عن { إِنا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } (الزخرف :
23) .
لنتبع { قُلْ
هَذِهِ سَبيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتبَعَنِي } (يوسف :
108) .
والقلوب لا تكون { أَمْ
عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا } (محمد : 24) والآذان { يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي
آذَانِهِم } (البقرة : 19) فإن بعُدنا عن هذه الصفات فإن بساط الحوار يسع
الجميع إخوانا متحابين متآلفين ، أصحاب هدف واحد ، وسبيل واحد .
ولنبتعد عن { وَإن
يَكُن لهُمُ الْحَقُّ يَأتُوا إِلَيْه مُذْعِنِينَ } (النور :
49) فالحق أحق أن يتبع ، وحري بنا أن نعرف الحق لنعرف بعده أهله ، ولنبتعد عن { وَلَوِ
اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ } (
المؤمنون : 71 ) فالإخلاص أساس لكل خير ، ولنبتعد عن شماعة « الوحدة الوطنية ونبذ
التعصب والطائفية » ، وهي مصطلحات لها وزنها الخاوي في واقع الحياة - إن لم توضع
بالحق - فلم نجد من يتعلق بها ، ويصرح بها ، إلا من هو بعيد كل البعد عنها ، فلا
يصيح الكذاب حين يصرخ على أهله إلا لينقذوه من ذئب ميت .
لماذا هذا
الكتاب ؟
لأمر واضح لاخفاء فيه ، لنبين
الحق الصريح من الباطل المزيف ، ولمعرفة الصواب من الخطأ ، وفي علام العالم بأن
ديننا واحد ، وإن حاول البعض ممن يُنتسب إلى العلم ، التمسك بالمختلف فيه .
[6]
وأيضاً لسد ثغرة من العلم ، لربما
يغفل عنها البعض ، لأن شئت قل الكثير من المسلمين ، من عدم اعتمادهم على المصادر
الأصيلة الأساسية ، الأولية في كل علم وفن ، فالمعول والأساس في الحوار ، وفي
معرفة قول أي طائفة من طوائف العلم ، أن يكون دائماً بالرجوع إلى المراجع الأصيلة
، والمصادر المعتمدة ، ثم نستأنس بعد ذلك ، بما سطرته أنامل المعاصرين ، من شروح
وبيان لعلم الأولين .
وليُعلم أن المسلم فطن كيّس ، ليس
بساذج ولا سفيه أمام كل ما يُلقى على مسامعه ، فلا يأخذ الأقوال عَلى علاتها ، دون
تمحيص أو دراية ، لأن هذا دين سنُسأل عنه يوم القيامة ، فالمؤمن يدور مع الحق ،
أينما دار وسار .
ولنعلم أن المؤمن عطش إلى زلال
الحق ، ونهمٌ لمائدة الحق ، ويترفّع أن يتطفل على موائد الأراذل وسقطة الناس ،
فالحقُ يَعلو ولا يُعلى عليه .
والأقوال لا يُحكم على صوابها من
اسم قائلها ، مهما علا شأنه وعظم قدره ، عدا الرسول صلى اللّه عليه وسلم بل بمعرفة
الإسناد والتثبت من الرواية ، يمكننا من بعد ذلك ، أن نحكم على ما نقرأ ونسمع بأنه
حق فنتبعه ، أو باطل فنضرب بهه عرض الحائط ، وذلك لأن الإسناد من الدين ، ولولا
الإسناد لقال من شاء في الدين ما شاء . وكما قال علي - رضي الله عنه : لا تنظر إلى
من قال ، ولكن انظر إلى ما قال .
والله نسأل أن يهدينا لما اختُلف
فيه من الحق باذنه ، إنه لا يهدي لما اختلف فيه من الحق إلا هو سبحانه .
{ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا
غِلاًّ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رحِيمٌ } (الحشرة :
15) .
[7]
ظهور
الشيعة
خالد : السلام عليكم ورحمة الله
... أهلاً بك يا حيدر .
حيدر : وعليكم السلام ... مرحباً بك
يا أخ خالد .
خالد : أجد أنك متضايق وكأن هناك
ما يشغل فكرك .
حيدر : نعم ، ويا ليته أمراً هيناً
لهان الأثر بوجود حلول له ، ولكنه شيء عظيم .
خالد :
وما ذاك يا أخ حيدر ؟
حيدر :
الخلاف الحاصل بين الإخوة من الشيعة والسنة ، أما يجدر بنا أن تضيق النفس مما هو
موجود وحاصل ؟
خالد : أجل ، فما رأيك بأن نتحاور
ونتناقش في قضايا مهمة ، توضح أفكار ومعتقدات السنة والشيعة ، لإمكانية التقارب
بينهما .
حيدر : نعم هذا أمر مهم أن نتحاور
حول ما يقرب الصفوف ويلملم الإخوة المتفرقين في دين واحد .
خالد : أرجو أن لا يضيق صدرك ،
ولنتصارح في طرحنا لهذه القضايا والأمر لك لتبدأ . حيدر : ما دام الحق غايتنا فلن
أتضايق أبداً ، ولنبدأ حول ظهور الشيعة ومما لا يخفي على كل مسلم ، أن الشيعة كان
ابتداء ظهورهم ، مقترنا بابتداء الدعوة المحمدية ، وأن بذرتها غرست من تلك الحقبة
، ولكن خف نورها ، بسبب عدم تقيد الصحابة بمفهوم الإمامة والوصاية من بعد وفاة النبي
صلى اللّه عليه وسلم .
خالد :
الأمر في معرفة حق الأئمة أقدم مما تقول وتظن به ، كما زعم علماء الشيعة ، فقد ذكروا أن معرفة حقهم كان معلوماً
عند الرسل جميعهم ، مثل ما جاء في أصول الكافي ( 1/437 ) عن أبي الحسن
[8]
قال : « ولاية « علي » ، مكتوبة
في جميع صحف الأنبياء ، ولن يُبعث نبي إلا بنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ووصية
علي عليه السلام » .
والبعض من العلماء ، قال مثل
مقولتك وهي المشتهرة بين العوام ، فذكر النوبختي في فرق الشيعة ( ص 17 ) أن الشيعة
ظهرت في زمن النبي ، ويقال لهم شيعة علي ومعروفون بانقطاعهم إليه ، والقول بإمامته
، منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر .
وابن النديم في كتاب « الفهرست »
( ص 249 ) يذكر أن الشيعة ظهروا بعد معركة الجمل ، وسماهم علي بالأصفياء الأولياء
.
حيدر : ظهورهم إذن لم يكن له علاقة
بذاك الرجل الذي يدعى بابن السوداء عبدالله بن سبأ ، وهذا كما قرأت خرافة ، ولا
وجود له .
خالد : الإنسان عدو ما جهل ،
والحق يُعلم بالتتبع والتنقيب والإخلاص في القصد ، وهذا الرجل جاء ذكره في كتب
الشيعة المعتمدة ، منها فرق الشيعة للنوبختي ، ورجال الكشي ، وشرح نهج البلاغة
وغيرها .
حيدر :
أفهم من كلامك ، أن الأمر في ظهور الشيعة ، ليس لمجرد أن أبا بكر - رضي الله عنه -
اغتصب الخلافة من أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - .
خالد : ليست القضية كما يسوقها
أهل العاطفة وأتباع الهوى ، فخلافة الصديق رضي الله عنه ، جاءت بمبايعة أهل الحل
والعقد وإجماع الصحابة ، ورضوا به كلهم فيما بعد ، في السقيفة أولاً ، ثم في
المسجد ثانياً ، وكذلك سار الأمر مع عمر وعثمان - رضي الله عنهم أجمعين - فلما
قُتل عثمان رضي الله عنه ، يمم الناس وجوههم قبَل علي رضي الله عنه ، ليولوه عليهم
فقال لهم : « دعوني والتمسوا غيريَ ، فإننا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم
له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعَلي أسمَعكم
وأطوَعكم
[9]
لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم
وزيراً خير مني لكم أميراً » نهج البلاغة ( 136 ) .
وهذا أيضاً موافق لما ذكره المفيد
في الإرشاد عن أمير المؤمنين ليدلل على أنه لم يأت نص في أمر الخلافة ، لعلي - رضي
الله عنه - .
حيدر :
تريد من هذا القول أن تقلل من قدر وأهمية إمامة الأمة ، وأن النبي صلى اللّه عليه
وسلم تركها هكذا بدون وصي وخليفة !
خالد : إمامة المسلمين ، ووجود
أمير عليهم من القضايا المهمة في الشريعة الإسلامية ، ولكن لا يبلغ الأمر بنا أن
نجعلها ركن الدين الأصيل ، وأن الإيمان بها يُدخل معتقدها الجنة ، وأنها من منصب
النبوة مثل ما تفوه بهذا هادي الطَهراني في كتاب « ودايع النبوة ص 114 » « الإمامة أجل من النبوة ، فإنها
مرتبة ثالثة شرَّف الله تعالى بها إبراهيم بعد النبوة والخلة » .
حيدر : لعل
هذا رأي لهذا العالم وليس رأياً لبقية رجال الدين الشيعة !
خالد : بقية الروايات تخبرك
بالإجابة على تساؤلك ، فقد قال آل كاشف الغطاء ، في كتاب أصل الشيعة ( ص 58 ) «
منصب إلهي كالنبوة » أو مثل مقولة الخميني في الحكومة الإسلامية ( ص 52 ) حيث قال
: « فإن للإمام مقاماً محموداً ، ودرجة سامية ، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها
وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون ، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه
ملك مقرب ولا نبي مرسل » .
حيدر :
اهتمام رجال الدين الشيعة بهذه القضية نابع من سيرة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ؟
خالد : لو كانت بتلك الأهمية فلم
أهمل النبي صلى اللّه عليه وسلم أمرها وجعل النص فيها غير محدد لمن بعده ، ولا
نجدَ لها ذكراً في القرآن ، الذي حفظه الله تعالى من التغيير والتحريف ، والنبي
صلى اللّه عليه وسلم لم يأت لها بذكر واضح لا عند احتضاره ، ولا حتى في أعظم تجمع
له بالمسلمين في حجة الوداع لما قال « لعَلْي لا
[10]
ألقاكم بعد عامي هذا » فلقد كانت
فرصة لا تعوض في اجتماع المسلمين من شتى أرجاء الجزيرة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم
، ليبلغ على الوصي والإمام من بعده ، فالأمر إذاً ليس بتلك الصورة من الأهمية حتى
نقول أنه من أركان الدين .
وللخميني تعليل مخالف لعدم ذكر
النبي صلى اللّه عليه وسلم للإمامة .
حيدر : وما
هذا التعليل ؟ فلعل الإمام قدس الله سره يجلي هذا الغموض .
خالد : يقول الخميني في كتاب كشف
الأسرار ( 150 ) أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كتم أمر الإمامة في بداية الدعوة في
مكة لأنه كان متهيباً من الناس إن دعاهم لمثل هذا الأمر العظيم ، حتى أمره الله
بقوله : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن
رُّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } (المائدة
: 67) .
ثم إن الله أمره بقوله : { إِنَّ
اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } (النساء :
58) فقال الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية ( 81 ) مبيناً هذه الآية : « فقد أمر
الله الرسول صلى اللّه عليه وسلم برد الأمانة ، أي الإمامة إلى أهلها وهو أمير
المؤمنين - عليه السلام - وعليه هو أن يردها إلى من هو يليه وهكذا ... » .
أي أن علياً هو صاحب الأمر والنبي
صلى اللّه عليه وسلم مأمور برد الأمانة إليه ، فكما ترى أن هذه التفاسير لا دليل
عليها ، فضلاً عما في تفسير الأمانة بالإمامة من تحريف لكلام
الله ، وتجاهل لسبب نزولها
المشهور .
حيدر :
ولكن الخليفة الأول خالف مبدأ الشورى مع المسلمين حين نص على تعيين الخليفة من
بعده ، وهذا يعتبر مثل الفرض على المسلمين !
خالد : ليس هناك من فرض على أحد ،
والمتتبع لسيرة الصديق - رضي الله عنه - يعلم
[11]
حق العلم حرصه على مصلحة الأمة ،
وتتبع الخير لها ، فلم يكن الأمر فلتة خاطئة ولكنهم سألوه بأن يدلهم على الجدير
بولاية هذا الأمر من بعده ، فأوصى على عمر - رضي الله عنه - والمتتبع لسيرة عمر مع
الصحابه في خلافته يستدل على صواب ما ذهب إليه الصديق - رضي الله عنه - ولكن ما
العمل مع المبغض الحاقد للشيخين رضي الله عنهما ، وكما قيل :
وعين
الرضا عـن كل عيب كليلة ولكن
عين السخط تبدي المساويا
حيدر : مقولة من قال ان الإمامة
منصب إلهي ، وأنها امتداد للنبوة ، هل له من مستند في هذا الأمر ؟
خالد : هذا التساؤل يوجه ويُلقى
على مسمع من جعلها من ضروريات المذهب ، ثم جَعل هنا أبواباً وسفراء للإمام المجهول
، ثم تعدى الأمر إلى وجود من يلي الفقيه ، فأصبح عندنا مراجع ، لا تُعلم أعدادهم ،
مع كل هذا ألا ينبغي على المسلم أن يسأل عن دليل لهذا التسلسل ؟ وما الشروط الواجب
تحقيقها لنيل هذا الأمر ؟ وما الخصائص التي ستحل على هذه النوعية من العلماء ؟ وهل
هناك مستند من القرآن أو من سيرة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لهذا المعتقد ؟
حيدر : اعذرني في إعادة الاستفهام
على موضوع الإمامة ، فعلى ضوء ما ذكرته ، فإنني أفهم من قولك السابق أن علياً ،
والأئمة من بعده لم يأتِ نص عليهم من الشرع !
خالد : لنفترض أن النبي صلى اللّه
عليه وسلم نص على « عليّ » ليكون خليفة بعده ، وأن الصديق اغتصب الخلافة من بعده ،
أما نرى أن دولة الإسلام كانت في أطيب أوقاتها ، وأفضل عصورها من الفتوحات
واستقرار الأمن وعدم وجود
[12]
الخلافات بين المسلمين في عهد
الخليفتين وصدراً من خلافة « عثمان » - رضي الله عنهم - أجمعين ؟ ! فأخبرني يا أخ
حيدر : كيف وفقهم الله تعالى في أعمالهم وفتوحاتهم وأولادهم ، وهم مخالفون لأعظم
ركن في الدين على الإطلاق - كما يزعم البعض - وأيضاً لا نسمع للإمامة أي ذكر أو
مقولة خلال هذه الفترة الطويلة ، من أن الخلافة قد اغتصبت من صاحبها وهو « علي بن
أبي طالب » - رضي الله عنه - !
حيدر : لعل
في كتمان هذا الأمر دلالة على بُعْد نظر من أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لكي
يحفظ أمر المسلمين من التفرق والتشتت .
خالد : لنفترض أن الأمر كما ذكرت
، ولكن لما قُتل أمير المؤمنين « علي » رضي الله عنه ، وآلت الإمارة إلى « الحسن »
- رضي الله عنه - نجد أنه ألقاها - رضي الله عنه - طواعية إلى « معاوية » - رضي
الله عنه .
فهل يحق ويجوز للمعصوم أن يتنازل
عن هذا الركن العظيم ، لمن هو دونه في المنزلة ، ويعطيها إياه طواعية لا مُكرهاً
ولا مُجبراً بعد ستة أشهر من مقتل والده !! ثم نقرأ في كثير من كتب التاريخ بأن «
معاوية » - رضي الله عنه - لبث في خلافته بعد التنازل قرابة العقدين من الزمان ،
والمسلمون في فتوحات عظيمة وانتشار لدينهم ، وفي خيرٍ ورغدٍ من العيش ما الله به
عليم .
إذاً الأمر لا لبس فيه ، من أن
الجيل الذي نشأ مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كانت بدايته معلومة واضحة ، ومنهجه
الديني بيّن ولا لبس فيه ، لكل من اطلع على السيرة العطرة للنبي صلى اللّه عليه
وسلم .
[13]
العقيدة
السليمة وتكفير المسلمين
حيدر :
لنتحاور يا أخي الكريم بصدق ووضوح حول قضية مهمه جداً وحساسة في أي مجتمع مسلم ،
فأرجو أن يتسع صدرك لسماعها .
خالد : لم نتحاور يا أخ حيدر إلا
لبلوغ الحق والنصح فيما بيننا ، ونبتعد عن التعصب الأعمى .
حيدر : هذا
هو العهد بك ، فأريد أن استوضح منك السبب في كثرة التكفير ورمي هذه الكلمة العظيمة
جزافاً على أهل القبلة ، مع أن الأصل في ديننا أن نحسن الظن بالمسلمين ، ونعذرهم
على اجتهادهم في التقرب إلى الله !
خالد : تعلم يا أخ حيدر أن أظلم
الظلم الشرك ، وأعدل العدل التوحيد ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم مكث في مكة يدعو
الناس إلى قضية واحدة وهي قوله تعالى : { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم
مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تتَّقُونَ } (الأعراف : 65) .
ولم يأمرهم بالوضوء أو الزكاة أو
الحج وغيرها من الأمور في بادئ الأمر ، إذن دعوته عليه الصلاة والسلام في بدايتها
على هذا النحو كانت لتثبيت التوحيد في صدور الصحابة ، وكل شيء يأتي بعد التوحيد
تباعاً .
حيدر : هذا
معلوم ولا لبس فيه ، ولكن لم التنفير باستخدام التكفير في وجوه المسلمين ؟
خالد : على ضوء الذي قرأته
وتصفحته من كتب ، وجدت أن طائفة من علماء
[14]
الشيعة هم أكثر استخداماً للفظة
التكفير بشكل ملحوظ وخطير على عوام المسلمين وعلمائهم ، مثل حسين النجفي في (
جواهر الكلام 6/62 ) والذي يقول ؟ « والمخالف لأهل الحق ( أي : الشيعة ) كافر بلا
خلاف » .
حيدر : لندع مثل هذه الأقوال ولتنظر
إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله في هذا الشأن .
خالد : المتتبع لسيرة النبي صلى
اللّه عليه وسلم وكيفية تربيته لأصحابه - رضي الله عنهم - يجد أن النبي صلى اللّه
عليه وسلم كان تنبيهه وتحذيره من أي فعل مشابه للشرك سريعاً وحاسماً ، سداً وحماية
لجناب التوحيد من الخدش أو الشرك ، والله سبحانه يقول : { إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ
} (النساء : 48) ، فكل ذنب هيّن بمقابل الشرك بالله .
حيدر : لنتفق على المعنى المقصود
بكلمة الشرك التي يدور الحديث حولها .
خالد :
الشرك كما هو معلوم في اللغة العربية من الشريك أي بمعنى أن يتخذ الإنسان مع الله نداً أو مساوياً في عمله أو
جميع أمره ، والشرع بيَّن هذا المعنى من ذكر آيات كثيرة تظهر فعل أهل مكة من
اتخاذهم الأصنام ، يدعونها ويعبدونها كعبادة الله ، فالشرك هو صرف الفعل أو القول
أو الاعتقاد بوحدانية الله وجعلها لغيره ، أو جعل غيره مساوٍ له .
فإذا حلف إنسان بغير الله فقد
أشرك بقوله ، وإذا ذبح لغير الله فقد أشرك بفعله ، فإذا اعتقد بأن ما حلف به أو ما
ذُبح له نداً لله سبحانه ينفع ويضر من دون الله ، فقد خرج هذا الشخص من ملة
الإسلام إلى ملة الكفر ، فإن كان جاهلاً ، فينبغي تحذيره وتعليمه إن هذا لا يجوز
وهو محرم ، وإنْ قصد التبرك ونواه لله .
[15]
فالدعاء والاستغاثة والطواف
والحلف والنحر والصلاة والحج وغيرها من العبادات لا تُعمل إلا لله ، وهذا ما خالف
عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم طوال عقد من الزمان ، أهل مكة وحاربهم عليه .
حيدر : هذا
من المعلوم عند علماء الشيعة ، فما الجديد فيما قلته ؟
خالد : ما قلته جديد على مسامع
جمع من رجال الدين الشيعة بل إن البعض خص الشرك بتعريف جديد كما يعرفه يوسف
البحراني في الحدائق الناضرة ( 18/153 ) : « وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله
سبحانه ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامة من أصول
الدين » .
حيدر :
الأقوال الشاذة من قبل بعض رجال الدين ليست بحجة في الاستدلال فلم نسمع أحداً من
العلماء لم يأمر بالتوحيد وعدم الشرك بالله ، أو حتى تهاون في هذا الجانب .
خالد : المثال يوضح المقال :
فالخميني طرح سؤالاً في كشف الأسرار ( 65 ) وأجاب عنه بنفسه ليبين معتقده بهذا
الشأن فقال : هل طلب الشفاء من التربة شرك ؟ فأجاب : « إن الإجابة عن هذا السؤال
تتوضح من خلال ما يحمل الشرك من معنى ، فقد عرفتم بأن الشرك هو أن يكون مع الله
أحد أو عبادة أحد أسوة بعبادة الله ، أو طلب الحاجة من أحد على أساس كونه إلهاً أو
شريكاً لله أو له استقلالية في التأثير ، ولكن ذلك لا يعد شركاً وكفراً ، إذا ما
تم الطلب على أساس أن الله قادر على أن يستجيب للطلب من خلال مَنْ يتفانى من أجل
دينه ، وخسر روحه من أجله تعالى » فهل تعلم يا أخ حيدر ماذا فتح هذا الكلام وأباح
؟
حيدر :
كلام الإمام قدس الله سره واضح عندي ، فماذا تريد أن تقول ؟
خالد : أريد أن أصل إلى أن
الخميني قال شيئاً لم يقله النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا الذين من بعده في تعريف
الشرك ، وهذا فتح باباً لأمور عدة منها :
ا - جواز أن يستشفي المسلم بالسحر
والطلاسم الغريبة فيدفع عنه المرض ... راجع بحار الأنوار ( 94/193 ) .
2 - الاستخارة بالرقاع أو البندق أو الحصى ، لفعل شيء ما يريده
الإنسان ( الاستقسام لفعل الحاجات ) ... راجع التهذيب ( 1/306 ) والفروع من الكافي
( 1/131 ) .
3 - الاعتقاد بأن للأئمة الحق في فعل ما يشاؤون على الأرض وأن
الإمام هو رب الأرض كلها ... راجع مرآة الأنوار ( 95 ) .
4 - الاعتقاد بأن الإمام يتصرف بالحوادث الكونية والمناخية التي
تحدث في الجو ، راجع الاختصاص للمفيد ( 327 ) وبحار الأنوار ( 27/33 ) .
5 - الاعتقاد بأن الإمام بإمكانه أن يحي الموتى ويبعثهم من قبورهم
، راجع أصول الكافي ( 1/457 ) وبصائر الدرجات ( 76 ) .
فمثل هذه الاعتقادات هل تقود من
يعتقدها إلى العبودية لله أم إلى شرك لم يعتقده حتى كفار أهل مكة ؟ !
حيدر :
النية هي أساس العمل ، من قبوله أو رفضه ، وهذا ما صرح به الإمام الخميني .
خالد : أزيد البيان لك توضيحاً من
قوله في كتاب ( كشف الأسرار 42 ) فقال : « وبعد أن تبين أن الشرك هو طلب الشيء من
غير رب العالمين على أساس كونه إلهاً ؟ فإن ما دون ذلك ليس بشرك ، ولا فرق في ذلك
بين حي وميت ، فطلب الحاجة من الحجر ليس شركاً ، وإن يكن عملاً باطلاً » .
والله أخبرنا أن أهل مكة لم
يكونوا يدعون الأصنام على أساس كونها آلهةً
كما قال الخميني ، ولكن وسطاء إلى
الله ، قال تعالى : { وَالذِينَ اتَّخَذًوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } (الزمر :
3) فهل تركهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : إنهم لم يتخذوها آلهة ؟ ! فإذاً
الأمر جائز ، أم أنه أنكر عليهم وقاتلهم عليه ، وبيَّن لهم أن هذا من الشرك الأكبر
؟
حيدر : هل
تريد أن تقول إن الإمام قدس الله سره ، لم يفهم معنى الشرك بالله ، أو أنه يبيحه
للعوام ؟
خالد : لست أنا الذي أحكم بذلك ،
ولكن الله سبحانه منحنا العقول والأفئدة التي نميز بها الحق من الضلال .
وينبغي أن نعلم أن الأئمة رحمهم
الله إنما هم أولياء لله نحبهم لمحبتنا للمصطفى صلى اللّه عليه وسلم ولاتباعهم له
، ولا ننزلهم إلا المنزلة التي تليق بهم ، ونعوذ بالله أن نرفعهم من حالهم إلى حال
الربوبية والألوهية كما ذكر الكشي ( 225 ) .
قال جعفر بن محمد : « فوالله ما
نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا ، وما نقدر على ضر ولا نفع ، وإن رُحِمنا
فبرحمته ، وإن عُذبنا فبذنوبنا ، والله ما لنا على الله حجة ، ولا معنا من براءة ،
وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون ، ويلهم ما لهم لعنهم
الله فقد آذوا الله وآذوا رسوله في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين
وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم ... أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول
الله وما معي براءة من الله إن أطعته رحمني وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً » .
[18]
العصمة
خالد : لا زلت أعجب من أولئك
الذين يفسرون الآيات بغير معناها الحق ، ويستدلون بالروايات الضعيفة ، في إثبات
أمر ليس في كتاب الله سبحانه !
حيدر : هل
بالإمكان ضرب مثال على ما تقول .
خالد : قوله سبحانه وتعالى : { إنمَا
يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } (الأحزاب : 33) أين الاستدلال من هذه الآية ، على ثبوت العصمة
للأئمة ؟
حيدر :
الاستدلال هنا بالمفهوم ، وليس بالمنطوق ، فالمبلغ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم
يحتاج إلى أن يكون مُصاناً عن كل ما من شأنه أن يقدح في تبليغ الرسالة ، فكما أن
الله عصم النبي صلى اللّه عليه وسلم في حال تبليغه ، فكذلك وقع الأمر للأئمة ،
الذين هم الأوصياء من بعده عليه الصلاة والسلام .
خالد : العصمة للنبي صلى اللّه
عليه وسلم واجبة لحفظ الرسالة ، لقوله تعالى { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } (النجم : 4) فمن الذي أوجب وجودها على فئة معينة بعد النبي
صلى اللّه عليه وسلم ؟ والخبر أن وُجد وصح سيكون إذاً متواتراً ومعلوماً ومنتشراً
أمره بين الناس ، فالادعاء بالعصمة إذاً لا دليل عليه .
حيدر :
ولكن الآية نزلت خاصة في آل بيت « علي » عليه السلام الذين هم أوصياء النبي صلى
اللّه عليه وسلم من بعده .
خالد : بداية لنعلم أن هذه الآيات
لم تنزل في آل بيت علي ، والدليل على ذلك ،
[19]
أن الله لما أنزل هذه الآية ، ضمن
آيات أخرى تثني بمجموعها على نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قام النبي صلى
اللّه عليه وسلم ودعا فاطمة وعلي والحسن والحسين - رضي الله عنهم - وشملهم بكسائه
، ثم قرأ هذه الآية ، لتشملهم بركة هذه الآية مع زوجات النبي صلى اللّه عليه وسلم
، ولو كان التطهير متحققاً فيهم من الآية فلمَ الإعادة والتكرار والطلب بالدعاء
لأمر قد تم تحققه ووقوعه بأمر الله ؟
حيدر :
ولكن الآية فيها دلالتان على العصمة ، الأولى : استعمال الضمير المذكر في قوله { يطهركم } بدلاً من نون النسوة ، وثانياً :
معنى الرجس أي يعصمكم من الفواحش والذنوب ، فيُفهم بالتالي أن الآية لآل بيت «علي
» وحدهم .
خالد : أما استعمال الضمير المذكر
بدلاً من نون النسوة في { يطهركم } فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان من ضمن المطهرين في الآيات
لأنه رب الأسرة والخطاب يأتي بالمذكر الذي هو أرفع قدراً من النساء فيشمل الجميع .
ومن الذي قال إن معنى التطهير من
الرجس هو العصمة من الذنوب والفواحش ؟ فإن الرجس قد يأتي بمعنى العذاب كقوله تعالى
:{ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ } (الأنعام : 125) أو الضلال أو السخط أو الأوثان ، وكل هذا
يُعرف من اللغة العربية بالقرائن والدلالات .
والآية الكريمة والدعاء من النبي
صلى اللّه عليه وسلم ، تدلان على إكرام الله لآل بيت النبي صلى اللّه عليه
وسلم وأنه غفر لهم ذنوبهم ، وأبعدهم
عن عذاب الآخرة .
حيدر : جاء
في قوله تعالى : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ
مِنكُمْ } (النساء : 59) ولما كان معلوماً أن الإمامة بعد النبي صلى اللّه عليه
وسلم لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه كانت الآية تأمر بطاعته طاعة متضمنة لعصمته
من الزلل .
[20]
خالد : المسلم لا يفسر القرآن وفق
ما يميل إليه رأيه ، بل ينظر إلى أقوال العلماء ، فإن الآية واضحة المعنى ، أن لله
طاعة منفصلة وكذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأما ولاة الأمر فإن طاعتهم تكون
تنفيذاً لما يؤمرون به من طاعة الله ورسوله وليست لهم طاعة منفصلة إلا بالمعروف من
أمور الدنيا .
وأما التنصيص على الإمارة من بعد
النبي صلى اللّه عليه وسلم « لعلي » - رضي الله عنه - فهذا مبحث آخر نتطرق إليه
لاحقاً بإذن الله تعالى .
والنبي صلى اللّه عليه وسلم قد
أوصى بآل بيته بقوله : « أذكركم الله في أهل بيتي » أي اعرفوا لهم حقهم ، وأنزلوهم
المنزل الذي يليق بهم ، من الحب والتقدير والتشريف .
حيدر :
ولكن لماذا هذا التشنج والحدة في النقاش على قضية تعتبر مكملاً لشخصية المبلغ عن
النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو الوصي .
خالد : المعذرة إن كان في حواري
غلظة أو جفاء ، فنحن بإذن الله طلاب حق وصواب ، ولتعلم يا أخ حيدر ليت الأمر اقتصر
على التكميل ، بل تجاوز حتى بلغ إلى المشابهة مع الأنبياء والمرسلين إن لم أقل
مرتبة أفضل منهم .
حيدر :
حاشا لله أن يقول مثل هذا مسلم عاقل !
خالد : جاء في بحار الأنوار (
25/350 ) : « أن أصحابنا الإمامية
أجمعوا على عصمة الأئمة صلوات الله عليهم ، من الذنوب الصغيرة والكبيرة ، عمداً
وخطأ ونسياناً ، من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله عز وجل » .
حيدر : ينبغي أن نتأكد ونتحقق من
صحة هذه الرواية .
خالد : هذه المقولة وغيرها لم
يتطرق عالم إلى تفنيدها ، والترك دلالة على الموافقة
[21]
والقبول في مرجع معلوم ، بل هي
أساس متين في المعتقد ، ونحن نعلم أن الأنبياء قد تأتي عليهم الغفلة والنسيان مما
هو معلوم من أمر البشرية ، ومما لا يقدح في شأن الرسالة والبلاغ .
حيدر : هل
من دليل على ما تقول ؟
خالد : قال تعالى معاتباً النبي
صلى اللّه عليه وسلم { عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } (التوبة :
43) .
وقال تعالى : { عَبَسَ
وَتَولَى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى } (عبس : 1 ، 2) .
وقال تعالى معاتباً النبي صلى اللّه
عليه وسلم في أخذه الفداء من أسرى بدر { لَوْلا كِتَابٌ منَ اللَّهِ
سَبَقَ لَمَسّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (الأنفال
: 68) والخطأ في جنب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يقال عنه أنه مخالفة للأولى
ففعله صحيح ، ولكن النبي يفعل دائماً الأكمل والأصح .
وليس الأمر مقتصراً على نبينا صلى
اللّه عليه وسلم ، بل قد وقع الزلل والخطأ من غيره من
الأنبياء مثل آدم صلى اللّه عليه
وسلم ! لما أكل من الشجرة ، ونوح ! لما أن دعا الله بأن ينجّي ابنه الكافر ، وكذلك
موسى صلى اللّه عليه وسلم لما قتل القبطي ، فذكر المولى سبحانه الفعل الذي اقترفوه
من أنه لا ينبغي حدوثه منهم ، لأنهم صفوة الخلق وأفضلهم .
حيدر :
ولكن فضائل آل بيت النبي عليهم السلام كثيرة ، مداد البحار لا تحصيها كثرة ، وكذلك
بركاتهم على الأمة .
خالد : هذا الكلام ليس محل حوارنا
، لأننا متفقان على أن لآل بيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فضائل ومناقب ، ولكن
لنتسائل حول بعض الأمور التي أشكلت عليَّ :
[22]
ا - حديث الكساء شمل خمسة أنفس من
بيت « علي » - رضي الله عنه - بالتطهير ، فما الدليل من القرآن أو الحديث على
إدخال غيرهم في التطهير والعصمة ؟
2 - ما الدليل الذي علمنا من بعده أن علي بن الحسين « زين العابدين
» هو الوصي من بعد والده ؟ مع أنه كان صغير السن لما قُتل والده ! .
3 - لماذا لم يشمل التطهير كل أبناء « الحسين » وبناته ؟
4 - الحسن بن علي رضي الله عنهما ، لماذا أخرجنا أبناءه من مبدأ
العصمة والإمامة ؟
5 - « زين العابدين » أولاده كُثُر ، فلماذا اقتصرنا على « الباقر
» فقط دون سواه من الإخوة ؟ وكذلك الأمر لأبناء الباقر ومن بعده !
حيدر :
الروايات الدالة على أن الأئمة معصومون كثيرة تستوجب علينا القطع بصحتها .
خالد : وكذلك الروايات الدالة على
الضد ومن ذلك ذكر العلامة الصدوق في عقائده ( 160 ) أن من ينفي السهو عن النبي
يُعد من الغلاة ، ومن ينفي السهو عن الأئمة يُعد من المفوضة الذين لعنهم الله .
وجاء في مجمع البيان ( 5/205 ) :
« أن مذهبهم - أي الشيعة - أن الأئمة يجوز عليهم السهو والنسيان في غير ما يؤدونه
عن الله » .
ثم تطور الاعتقاد كما جاء في
تنقيح المقال ( 3/240 ) : « أن نفي
السهو عن الأئمة أصبح من ضروريات المذهب الشيعي » .
إذاً التعديل في الأحكام يكون حسب
الحاجة والضرورة لأن كان في المسائل العقدية ، والتي تخالف ما كان عليه السابقون .
[23]
حيدر : لا
زالت الصورة غير مستبينة عندي ، هل هناك من خطورة على المسلم بأن يعتقد في إمامه
الذي يتلقى عنه الأحكام أنه منزهٌ من الرذائل !
خالد : الجواب يُعرف من خلال هذا
التساؤل ، ما الفرق بين النبي وغيره إن قلنا بالعصمة لكليهما ؟ بل إن الأئمة بلغوا
منزلة وحازوا على خصائص لم يدركها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من ذلك أن العصمة
متعدية ، بمعنى أن الإمام المعصوم كما أنه لا يُسأل عن دليله في المسألة ، ولا يرد
حكمه وقوله ، فكذلك من ينوب عن الإمام يحوز هذا الشرف ، فلا ينبغي للعوام أن يردوا
حكمه وقوله .
لهذا يقول الخميني في كتاب
الحكومة الإسلامية ( 91 ) : « نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء لا
يزال محفوظاً لهم ، لأن الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة ، ونعتقد فيهم
الإحاطة بكل ما فيه مصلحة للمسلمين ، كانوا على علم بأن هذا المنصب لا يزول عن
الفقهاء من بعدهم بمجرد وفاتهم .
حيدر : هذه
هي ولاية وإنابة الفقيه عن الإمام المنتظر .
خالد : من يتتبع التسلسل لهذه
الإنابة ، وكيف نشأت يعلم يقيناً أنها إنما أنشئت ، لما وقعت الحيرة بعد الغيبة
الصغرى والكبرى ، والاختلاف حول الأموال التي تُقدم وهي الخمس ، فأنشأت هذه القضية
لتلافي هذا الإرباك ، ولقطع كل سؤال عن الدليل قد يُقدم من العوام لرجال الدين
الشيعة بصيغة : « ما دليلك على ما تقول » ؟
حيدر :
إذاً ما هو الاعتقاد الواجب أن نعتقده في الائمة عليهم السلام ؟
خالد :
هم من أكرم البيوت شرفاً ، وأعلاها رتبةً ، لاتصال نسبهم إلى النبي صلى اللّه عليه
وسلم ، ولا خير فيهم إن لم يسيروا وفق هدي سيد هذا البيت وهو المصطفى صلى اللّه
عليه وسلم ،
[24]
وهم بشر كبقية البشر يصيبون
ويذنبون ، ويرجون رحمة الله ومغفرته وعلى قدر طاعتهم وذلهم لله ، تكون منزلتهم عند
الله سبحانه .
أخرج القمي في معاني الأخبار ( 62
) : قال رسول الله : « يا علي أول نظرة لك والثانية عليك ، لا لك » .
وجاء في نهج البلاغة ( 82 ) مقولة
أمير المؤمنين « علي » أنه قال : « اللهم اغفر ما أنت أعلم به مني ، فإن عُدت فعُد
علي بالمغفرة » .
وجاء في نهج البلاغة ص 335 خطبة
رقم 216 في خطبة خطبها علي بصفين فقال رضي الله عنه : « ... فلا تكفوا عن مقالة
بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي » .
وهم رحمهم الله يقرون على أنفسهم
بالذنب ويرجون المغفرة من الله تعالى ، ودلالة الحب لأي إنسان أن تنزل من تحب
المقام الذي يليق به ، وتصدق معه ، والسعيد من المؤمنين من تأسى بسيد هذا البيت
صلى اللّه عليه وسلم ، ثم اقتدى بآله رضوان الله عليهم وفق هدي الحبيب محمد صلى
اللّه عليه وسلم .
[25]
التقية
خالد : نعم المحاور والمستفهم أنت
، ولكني على علم من استعمالكم دائماً للتقية في كل أمر ، في حال الخوف وأيضاً
الأمن ، لأنها من ضروريات المذهب .
حيدر : هذا
فيه مجافاة للحق ، واتهام للشيعة بأنهم جبناء ، ولا يصدعون بالحق ، وللعلم فالتقية
إنما تستعمل في مواطن الخوف ، ولا شيء غيره ، بل هي مشروعة عندنا وكذلك عند
إخواننا السنة ، والأدلة معلومة .
خالد : جاء في شرح عقائد الصدوق
للعلامة المفيد أنه قال : « التقية
كتمان الحق ، وستر الاعتقاد فيه ، وكتمان المخالفين ، وترك مظاهرتهم بما يعقب
ضرراً في الدين والدنيا » .
وورد عن جعفر الصادق كما ذكر
العلماء في كتب عدة أنه قال : « التقية ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له
» ، ووِفْق ما أعلم فإن الصحابة لم يفعل أحد منهم التقية إلا ما ذُكر عن عمار بن
ياسر - رضي الله عنه - حينما ذكر آلهة الكفار بخير فقال له النبي صلى اللّه عليه
وسلم : « إن عادوا فعد » ( أي : إلى
التقية حفاظاً على حياتك ) .
حيدر : لم
تخالف ما ذكرته من روايات مع الذي أنا قلته ، وأكرر أن التقية إنما تستعمل في بعض
المواضع التي يخاف فيها المسلم على نفسه من الضرر .
خالد : استعمال التقية تجاوز
المفهوم السابق ، بل أصبح الاستخدام عاماً في كل الأمور والدليل على ما أقول :
[26]
ا - قال مرتضى الأنصاري في رسالة
التقية ( 72 ) عن الإمام المعصوم أنه قال : « . . فإن التقية واسعة ، وليس شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور
عليها إن شاء الله » .
2 - قال الخوئي في التنقيح شرح العروة الوثقى ( 4/278 ) وصححها عن
الصادق أنه قال : « ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في
سعة » .
3 - جاء في وسائل الشيعة ( 5/383 ) تحت باب بعنوان : « استحباب
حضور الجماعة خلف من لا يُقتدى به ( أي : الإمام السني ) للتقية ، والقيام في الصف
الأول معه » .
وهذا أيضاً ما أفتى به أبو القاسم
الخوئي في كتاب « مسائل وردود » ( 1/26 ) عن الصلاة مع جماعة المسلمين ! فأجاب : «
تصح إذا كانت تقية » .
4 - المرأة ترث من العقار والدور والأرض ، وذلك لرواية أبي يعفورعن
أبي عبد الله قال : سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً
أو يكون في ذلك في منزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئاً ؟ فقال : « يرثها وترثه من
كل شيء ترك وتركت » .
فعقب الطوسي على الرواية كما جاء
في الاستبصار ( 4/154 ) فقال : نحمله على التقية ، لأن جميع من خالفنا يخالف هذه
المسألة ، وليس يوافقنا عليها أحد من العامة ( أي : السنة ) وما يجري هذا المجرى
يجوز فيه التقية .
فعلى هذا كأن التقية أيضاً تستعمل
مع الشيعي ولا تختص بالسني فقط .
حيدر :
التقية أمرها مستحب ، ويستطيع المسلم الشيعي أن يتركها أو يفعلها لا حرج عليه في
ذلك .
[27]
خالد : إذا كان الحكم كما قلت ،
إذاً ماذا نفعل أمام قول مَنْ يقول : تارك التقية كتارك الصلاة ؟
وكقول الصادق : « لو قلت أن تارك
التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً » .
وقال ابن بابويه في الاعتقادات (
ص 104 ) : « اعتقادنا في التقية أنها واجبة ، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة » .
حيدر :
ولكننا في هذا الزمان لا نسمع بل نكاد لا نجد مسلماً شيعياً يتعامل مع إخواننا
السنة بالتقية ، لأنهم يعلمون أنهم في بلد واحد يحتاج إلى الترابط والقوة أمام
الأعداء ، والأجساد لا تتقارب إلا بتقارب وصفاء القلوب .
خالد : الخميني في كتاب الرسائل (
2/201 ) ذكر أن العمل بالتقية يكون في كل وقت .
فقال : « ثم إنه لا يتوقف جواز هذه
التقية بل وجوبها على الخوف على نفسه أو غيره ، بل الظاهر أن المصالح النوعية صارت
سبباً لإيجاب التقية فتجب التقية وكتمان السر لو كان مأموناً وغير خائف على نفسه »
.
حيدر :
كأنك تريد أن تقول إن التقية أصبحت شعاراً للمذهب الشيعي !
خالد :
الروايات هي التي تقول بذلك والواقع يثبت لنا هذه الحقيقة ، فهل الحق يكتم أم أن
المؤمن - وهو آمن - لا يجهر بالحق ويبينه للعامة من المسلمين ! ولعل البعض يقول
كالعادة بضعف مثل هذه الأقوال والاجتهادات ، فلذا نحتاج لتحقيق الترابط إلى ذلك
العالم المجتهد والذي يعلي صوته بتضعيف كل الروايات التي نصت على التعامل بالتقية
، ويحث المسلمين الشيعة على الوضوح والعمل بالأحاديث المتفقة بين الطرفين ، وأن
[28]
نحقق الترابط القلبي قبل الظاهري
، فكيف يمكن أن يتعايش إنسان مع آخر وهو يعلم أنه يضمر له العداء والمخالفة
والاعتقاد بأن دينه باطل وغيرها من الأمور التي تفرق ولا تجمّع وتمزق ولا تربط بين
أفراد المجتمع الواحد . وينبغي علينا أن نلعن التقية التي تفرقنا ، كما لعنها
الدكتور موسى الموسوي في كتابه « التصحيح » ، وليس مثل ما أصّل لها بعض علماء
الشيعة في كتبهم .
[29]
علم
الحديث والتصحيح والتضعيف
حيدر : يظن
بعض الأخوة السنة أن أخوانهم الشيعة ، لم يهتموا بتتبع الروايات المنقولة عن النبي
وآله عليهم السلام بالتحقيق والتثبت ، لذا نجدهم يقذفون الشيعة ، بأبشع العبارات
وأشنع الاقوال .
خالد : من المتعارف عليه عند
علماء الحديث ، أن الحديث ينقسم إلى طرفين ، جانب الإسناد وهو سلسلة الرواة للخبر
، والجانب الآخر هو القول الذي قاله قائل الحديث ، فما تعريف الحديث الصحيح عندك ؟
حيدر : هو
ما رواه العدل الضابط للخبر عن مثله في جميع مراحل السند .
خالد : كأنك نسيت كلمة مهمة ذكرها
الحر العاملي وهي : ( الإمامي ) أي العدل الإمامي ، وهذا أمر مهم ، وهو شرط مشكل
وعسير على أحاديث الشيعة لو طُبِّق .
حيدر :
وكيف ذلك ؟
خالد : يقول الحر العاملي في كتاب
خاتمة الوسائل ( 30/206 ) بعد أن ذكر تعريف الحديث الصحيح : « وهذا يستلزم ضعف كل
الأحاديث عند التحقيق » .
وعلل السبب بقوله : « لأن العلماء
لم ينصوا على عدالة أحد من الرواة إلا نادراً ، وإنما نصُّوا على التوثيق ، وهو
لايستلزم العدالة قطعاً » .
حيدر :
رجال الدين الشيعة قسَّموا الحديث إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف ، وفق تتبعهم
للأحاديث والآثار الواردة عن الآل عليهم السلام .
[30]
خالد : التقاسيم لا جدوى منها إن
لم يكن هناك مثال لما تقول ، وأيضاً ما الضابط لحفظ الرواة ونسيانهم مع العدالة
والتوثيق ، وقد قال الحر العاملي في الوسائل ( 30/206 ) : والثقات الأجلاء من
أصحاب الإجماع وغيرهم يروون عن الضعفاء والكذابين والمجاهيل حيث يعلمون حالهم ويشهدون
بصحة حديثهم ، وقال أيضاً ( 30/244 ) : ومن المعلوم قطعاً أن الكتب التي أمروا
عليهم السلام بالعمل بها ، كان كثير من رواتها ضعفاء ومجاهيل .
حيدر : هذه
مجازفة خطيرة أن تستند في فتواك على قول أو رواية رجل مجهول أو ضعيف ، فلربما
تقوّل أو كذب على الإمام ، أو نَسب إليه ما لم يصدر عنه .
خالد : لننظر إلى ما يقوله
العلماء عن بعض الرواة المشاهير والمكثرين من الرواية عن آل البيت رحمهم الله
تعالى :
ا - المغيرة بن سعيد ، أحد رواة
الأحاديث عن الأئمة ، نقل المامقاني في كتاب تنقيح - المقال ( 1/174 ) عن المغيرة
بن سعيد أنه قال : « دسست في أخباركم أخباراً كثيرة ، تقرُب من مائة ألف حديث » .
وللعلم يا أخ حيدر ، فإن المغيرة
هذا موجود في سنة 199 هـ .
2 - جابر بن يزيد الجعفي : قال فيه الحر العاملي ( الوسائل 151 ) :
« روى سبعين ألف حديث عن الباقر عليه السلام ، وروى مائة وأربعين ألف حديث عن غيره
» .
وهنا سؤال يفرض نفسه : كل هذه
الروايات ، هل سمعها جابر مشافهة من الإمام ؟ أو بواسطة راو آخر ؟ ويجيب الكشي (
الرجال 191 ) عن هذا بهذه الرواية : عن زرارة بن أعين قال : سألت أبا عبد الله
عليه السلام عن أحاديث جابر ؟
[31]
قال : « ما رأيته عند أبي قط إلا
مرة واحدة ، وما دخل علي قط » . فإذن من هو شيخ جابر الذي علمه هذا الكم من أحاديث
آل البيت ؟
حيدر :
ولكن كتب الشيعه الأساسية والمعتمدة ، معلومة ومصانة من اللبس والدس فيها ، وذلك
لاهتمام الشيعة بكتب مراجعهم الدينية من التشويه والافتراء .
خالد : وفق ما أعلم فإن كتب
الشيعة المعتمدة ثمانية وهي : الكافي ، الاستبصار ، من لا يحضره الفقيه ، الوافي ،
بحار الأنوار ، ووسائل الشيعة ، ومستدرك الوسائل ، أليس كذلك ؟
حيدر :
صحيح ما تقول ، وهناك غيرها تشرح وتبين ما في هذه الكتب .
خالد : الحمد لله ، فلنبدأ ولننظر
إلى كتب هذه المجموعة ، ولنختر كتاب الكافي ، الذي يُعد من أصح الكتب عندكم ،
والذي كما قيل إنه عرض على الإمام المنتظر فوافق على جميع ما فيه ، مثل ما ذكر
محمد صادق الصدر في كتاب الشيعة ( 123 ) ولننظر في محتواه وعن عدد ما فيه من كتب
وأبواب ، فيقول الكركي في روضات الجنات ( 6/114 ) : « إن كتاب الكافي خمسون كتاباً
» .
وللعلم يا أخ حيدر ، فإن الكركي
هذا تُوفي في سنة ( 1076 ) هـ .
أما الطوسي فقال في الفهرست ( 165
) : « إن كتاب الكافي مشتمل على ثلاثين كتاباً » . وللعلم فإن الطوسي قد تُوفي سنة
( 460 ) هـ .
إذاً ما الذي جرى على الكتاب
الأصلي ؟ ، ومن أين جاءت هذه الزيادة الفادحة على أصل الكتاب ؟ !
[32]
ولننظر إلى كتاب آخر ، وهو تهذيب
الأحكام للطوسي المتوفى سنة ( 460 ) هـ ، فقد ذكر أغا بزرك في كتاب الذريعة (
4/504 ) أن أحاديثه عددها ( 13950 ) حديث ، بينما الطوسي قال في عدة الأصول (
1/360 ) أن أحاديث التهذيب تزيد على ( 5000 ) حديث . ومعلوم أن كلمة تزيد ، تعني
الزيادة المعقولة والتي تقارب الرقم التالي وهو ( 6000 ) أو دونه ، إذاً من أين
أتت هذه الزيادة الكبيرة على كتاب التهذيب ؟ !
حيدر :
ولكن لربما أتت الزيادة من علماء آخرين استدركوا على الكتاب ما نُقص منه .
خالد : الاستدراك ينبغي أن يكون
في كتاب آخر منفصل ، أو يتم التنبيه على ذلك في بداية الكتاب ، أو توضع الزيادة في
حاشية الكتاب ، لا أن تُدس وتُقحم في الكتاب الأصلي ، فيظن المطلع على الكتاب أنها
من أصل الكتاب ، فلذا لن أعجب من قول الحسيني في كتاب الموضوعات في الآثار
والأخبار ( ص 165 ) : « وبعد التتبع في الأحاديث المنتشرة في مجامع الحديث كالكافي
والوافي وغيرهما ، نجد أن الغلاة والحاقدين على الأئمة الهداة لم يتركوا باباً من
الأبواب إلا ودخلوا منه لإفساد أحاديث الأئمة والإساءة إلى سمعتهم .... » إذاً هذا
إقرار من الحسيني على وجود أحاديث مكذوبة في أعظم كتب الحديث عند الشيعة .
حيدر : لعل
هذا الأمر كان من رجال الدين السابقين ، وليس من المعاصرين .
خالد : لا تستجعل في القول ، فلا
أغفل عن ذكر مقولة التيجاني في كتابه { فاسألوا أهل الذكر } ( 34 ) :
9 ويكفيك أن تعرف مثلا أن أعظم كتاب عند الشيعة ، وهو أصول الكافي يقولون بأن فيه
آلاف الأحاديث المكذوبة » .
[33]
ونعلم من اللغة العربية أن كلمة
آلاف ، هي فوق الرقم ثلاثة إلى التسعة ، وأحاديث أصول الكافي ( 3783 ) حديث ، إذن
كم يتبقى عندنا من كتاب الكافي ، ويمكن أن نعده في مرتبة الصحيح المعمول به ؟ !
لذا أحيلك في تحقيق أحاديث (
الكافي ) على كتاب ( كسر الصنم ) لآية الله البرقعي ، حيث ذكر الأعاجيب في كتابه
وتحقيقه لأحاديث الكافي .
حيدر : أنا
على ثقة من أن رجال الدين الشيعة ، ومحققيهم ، لم يتركوا هذه الأحاديث المدسوسة
وغيرها ، من بيانِ وتفنيدِ لحالها من ناحية الصحة أو الضعف ، وكذلك أحوال الرواة .
خالد : إن من أقدم المؤلفات لدى
الشيعة في بيان أحوال رواة الحديث والأخبار هو « رجال الكشي » المتوفى في القرن
الرابع الهجري ، وقد جاء في كتابه بأخبار متعارضة في الجرح والتعديل ، وبلغ عدد
التراجم فيه ( 520 ) ترجمة فقط ، ثم جاء كتاب النجاشي وهو مختصر جداً في موضوعه ،
وإلى الآن لا أعرف ثمة كتاب يمكن الاستناد والاعتماد عليه ، في بيان من يُرد حديثه
أو يُقبل من رواة الشيعة ، والحال يدلنا على أن كل من جاء برواية تعضد وتدعم من
قول المذهب الإمامي قُبلت روايته من غير تمحيص لحال هذا الراوي ، وهذا على
النقيض تماماً عند علماء السنة !
حيدر : وكيف ذلك ؟
خالد : علماء السنة ، كانوا لا
يُطلقون على أي طالب علم في السابق وحتى في اللاحق أنه إمام وعالم إلا إذا تمكن من
علم الحديث ، ومعرفة الحديث الصحيح من الضعيف ، ودرس هذا العلم الجليل الفريد ،
وليس أدل مثال على ذلك مثل سيرة الإمام أحمد بن حنبل أو الشافعي أو البخاري أو ابن
تيمية وغيرهم كثير كثير جداً .
[34]
حيدر : من خلال قراءاتي في الكتب
الدينية أجد تضعيفاً وتصحيحاً للكثير من الأحاديث في الكتب الفقهية والعقدية لدى
علماء الشيعة .
خالد : ما تقوله صحيح ، ولكن يا
أخي هل وجدت بعد ذلك ، السبب العلمي في التضعيف أو التصحيح ، أو العلة من رد أو
قبول الرواية وفق منهج حديثي واضح ؟
حيدر : لا ، لم أجد أحداً ذكرالسبب
، من ناحية التضعيف أو التصحيح .
خالد :
رد الحديث أو قبوله فقط ، عند فئة من علماء الشيعة ، يكون إن وافق المذهب أو عارضه ، وهذا هو المعول ، ولا
شيء غيره ، فإن كان الراوي إمامياً ، وذكر رواية تعضد وتقوي الحكم الشيعي ، قُبلت
الرواية ، وكذلك الأمر إن حصلنا على رواية في البخاري أو الترمذي أو مسلم ، وتؤيد
المذهب قُبلت بصدر رحب ، وإلا فإن التضعيف ، يكون من نصيبها ، إن خالفت شيئاً من
الأمور المذهبية ، والعجيب أن يكون سند الحديث المقبول ، موجوداً في حديث آخر ،
ولكن يُرد ويُحكم بضعفه ، فقط لأن في الحديث ما يخالف المذهب .
حيدر : هل
الأمر يحتاج إلى هذا التشدد والنقاش الكثير حول التصحيح والتضعيف ؟
خالد : تذكر يا أخ حيدر ، أن علم
الحديث يُعد أساساً وركيزة للشريعة الإسلامية والأحكام الفقهية ، واعلم أن علم
الحديث ، يُعد من أشرف العلوم لأنه يأصّل لك قبول الروايات أو ردها ، وفق منهج علمي
واضح ، وليس وفق حظ النفوس وهواها ، وما من عالمٍ ، قلت بضاعته في فهم علم الحديث
، إلا ووجدت الفتاوى الغريبة المتناقضة تصدر منه دائماً .
[35]
الشاذ
من الأقوال
خالد : إن من أخطر الأمور التي
تهدم الدين وتفرق الصفوف وجود فتاوى متناقضة ، واجتهادات متباعدة في المسألة
الواحدة ، والتي يكون الحكم فيها بيّناً واضحاص .
حيدر : هذا
يحصل في فتاوى كل ملة ومذهب ، والأسباب لهذا الأمر متنوعة وكثيرة ، فما الجديد في
المسألة ؟
خالد : الأمر المفجع أن ترى
اختلاف الحكم في المسألة الشرعية الواحدة ناشئ من قبل إمام معصوم واحد ، أفلا يدلك
مثل هذا على نتائج محيرة تجاه الفتوى أَولا ، وتجاه الإمام ثانياً ، وأيضاً تجاه
الكتاب الذي حوى مثل هذه المسائل ؟ !
والأخطر من ذلك كله ما هو حال
أولئك العوام الذين سيستمعون ، ثم سيطبقون مثل تلك الفتاوى ؟ !
حيدر : هذا
غير ممكن ، لأن الأئمة ينهلون من معين واحد ، وهم أغصان لشجرة النبوة ، فلن نجد
تناقضاً في أقوالهم أبداً .
خالد : ليت الأمر مقتصر على
الأئمة وحدهم ولكن تجاوز الأمر بطبيعة الحال إلى رجال الدين والمتعالمين ، لأن
مصدر التعلم واحد ، والأمثلة على ذلك :
1 - شخصية عبد الله بن سبأ : البعض ينكرها وينفي بشدة وجود مثل هذه
الشخصية ، وعلى النقيض تماماً هناك من يثبت وجودها وتأثيرها على قيام المذهب
الشيعي مثل سعد القمي وما ورد في كتابه المقالات والفرق وكذا رجال الكشي .
2 - تحريف القرآن : تجد علماء الشيعة المتأخرين منهم ، ينفون بشكل
قاطع
[36]
ومؤكد أنَّ أسلافهم قالوا بمثل
هذا الادعاء ، وهم يؤكدون على أنها أكذوبة من الأكاذيب ، وهم مصرون على قولهم هذا
كأن الأمر بديهي ، وأنه من القضايا المعلومة بالضرورة في المذهب الشيعي من عدم
وجود تحريف في القرآن ، والأمر على خلاف ما قالوه ، بل إن شئت قل وأنت محق إنَّ شبه
الإجماع منعقد من العلماء المتقدمين ، بأنَّ القرآن محرف وقد زيد وأنقص منه .
3 - عدم تمييز الضعيف من الصحيح في الروايات ، والشيعي الذي يحاول
أن يبحث في تمييز الأحاديث ، تجده يعتمد على أسس أهل السنة وميزانهم ليحمي معتقده
، وهو يعلم يقيناً أن لا ميزان للشيعة في تمييز الروايات ، والميزان الوحيد عند
الشيعة لتصحيح الأحاديث هو ميزان « الثناء على آل البيت أو عدمه » ، ولو كان ذلك
صادراً من قبل أمثال زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم والمختار ، وهم أحياناً ثقاة
وأحياناً ملعونين عند علماء الشيعة وراجع في ذلك كتاب هداية الأبرار .
حيدر : هل
بالإمكان ذكر مثال على الشاذ من الفتاوى ؟
خالد : خذ مثلاً على ذلك من فتاوى
الخميني :
1 - جاء في تحريرالوسيلة ( 1/16 ) قول الخميني : « ماء الاستنجاء
سواء كان من البول أو الغائط ، طاهر » .
2 - جاء في تحرير الوسيلة ( 1/280 ) قول الخميني : « مبطلات الصلاة
وهي أمور أحدها : الحدث ، ثانيها : التكفير ، وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى نحو
ما يصنعه غيرنا ولا بأس به في حال التقية » ... « وتعمد قول آمين بعد إتمام
الفاتحة ، إلا مع التقية فلا بأس به » .
[37]
3 - جاء في تحريرالوسيلة ( 1/119
) قول الخميني : « يشترط في صحة الصلاة طهارة موضع الجبهة في السجود دون المواضع
الأخرى ، فلا بأس بنجاستها » .
كأ جاء في تحرير الوسيلة ( 2/241
) قول الخميني : « والمشهور والأقوى جواز وطء الزوجة في الدبر ( أي : لواط النساء
) » .
4 - وجاء في تحرير الوسيلة ( 2/279 ) قول الخميني : « لا يجوز نكاح
بنت الأخ على العمة ، وبنت الأخت على الخالة إلا بإذنها ، ويجوز نكاح العمة
والخالة على بنتي الأخ . والأخت ( أي : يجوز الجمع بين المرأة وخالتها ) » .
حيدر : اذن
من أين أتت هذه الفتاوى الغريبة والمتناقضة فيما بينها ؟
خالد : الأسباب في رأي تتلخص في :
1 - عدم الالتزام الحق بالكتاب والسنة الصحيحة ، وفق فهم الجيل
الذي تنزل عليه القرآن ، هو الذي أوجد مثل هذه المعضلات في الأحكام .
2 - الصراحة في إبداء المعتقد ، كان موجوداً في الكتب السابقة فنجد
أن العالم الشيعي كان يذكر كل الروايات التي بلغته ويراها ويعتقدها ، ولا يبتر
منها شيئاً ، وان خالفت معتقده ، وعلى النقيض تماماً في هذا الزمان نجد التدليس ،
والمراوغة والانتصار الأعمى للمذهب في جملة من المعاصرين وكذلك الكذب السمج
المكشوف ، لإنكار ما قاله السابقون ولو كان بتحريف الكلم عن مواضعه ومثال ذلك ما
فعله صاحب كتاب « السجود على التربة والجمع بين الصلاتين » فقد ساق
[38]
رواية الصادق : « السجود على
الأرض فريضة وعلى غير ذلك سنة » ، ثم نجده أخذ ما يدعم رأيه بحذف جملة « وعلى غير
ذلك سنة » ليبطل القول بأن هناك دليل يجوّز السجود على غير الأرض .
وارجع إلى كتاب « كشف الجاني »
للشيخ عثمان الخميس لتطلع بنفسك على التناقضات والشذوذ والتدليس في أقوال التيجاني
.
3 - عدم كشف وفضح الكذابين من رواة السند ، مع أننا لو تفحصنا ما
ترويه الشيعة عن آل البيت لوجدنا الدعوة بتصفية الصفوف وتنقيتها من هؤلاء .
مثل ما جاء في الكشي ( 253 ) عن
الصادق : « لو قام قائمنا بدأ بكذابي شيعتنا فقتلهم » .
ومثال ذلك ما قاله الكاظم في
الكافي ( 8/228 ) : « لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واقفة ، ولو امتحنتهم لما وجدتهم
إلا مرتدين ، ولو تمحصتهم لما خلُص من ألف واحد » . وعلى النقيض من هذا كله عند
علماء الحديث من السنة ، لربما يتركون رواية العابد الزاهد الورع ، وذلك لأنه غير
متقن في حفظه .
حيدر :
العامي معذورفي تخبطه ، ولكن المتعلم والمطلع من أين ينهل علمه ، ويتعلم دينه ؟
خالد : لم لا نأخذ من الذين
خالطوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإن لم نأخذ من أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما
- فلنأخذ من علي - رضي الله عنه - والذي يُقال أنه قد جمع العلوم كلها ، فلو محصنا
ودققنا في كل ما ثبت عن أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - لحصلنا على خير كثير ،
ولعلمنا أنه كان
[39]
مرتبطاً بإخوانه الصحابه - رضوان
الله عليهم - كلٌ يتعلم من الآخر ، وكل ينقل عن أخيه العلم ، ولعلمنا أن العلم لا
يدركه ويحوزه شخص بمفرده من بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم .
[40]
غلو
في محبة الآل
خالد : لا زلت أرى سوء الفهم في
جانب محبة آل بيت المصطفى صلى اللّه عليه وسلم حتى أوصلوهم إلى درجة العبودية .
حيدر : هل
نعتب على المحبين حبهم ، لأكرم بيت وُجد على الأرض ؟ وقد أمر الله عباده المؤمنين
بهذا الشأن بقوله سبحانه : { قُل لا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } (الشورى : 23) .
خالد : لنعلم المراد بهذه الآية ،
وهو كما فسره ابن عباس - رضي الله عنه - بقوله : « إن النبي صلى اللّه عليه وسلم
لم يكن بطنٌ من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من
القرابة . أي كفوا عني شركم يا أهل قريش ، فإن لم تنصروني فلا تؤذوني ، لما بيني
وبينكم من القرابة » .
حيدر : حب
النبي صلى اللّه عليه وسلم من أعظم الأمور التي يسعى المسلم لغرسها في نفسه ،
ويتمنى المرء أن يكون عبداً مطيعاً للنبي صلى اللّه عليه وسلم .
خالد : ومن الذي ينكر هذا الشيء ،
ولكن وفق ما أمرنا به النبي صلى اللّه عليه وسلم من عمل وقول ينبغي له .
حيدر : إذا
كان المسلم من شدة حبه للنبي وآله تسمى بأسماء أحد منهم أننكر عليه من بعد ذلك ؟
خالد : التسمي باسم النبي صلى
اللّه عليه وسلم أو أحد من آله شيء ، وأن يكون الإنسان عبداً لهم شيء آخر ! .
حيدر : وضح
ما تعنيه يا أخ خالد ؟
[41]
خالد : نقرأ أسماء لبعض الشيعة
فنجد فئة منهم تسموا بأسماء لم تعهد في القرون الماضية ، وخاصة في زمن النبي صلى
اللّه عليه وسلم وآله من بعده ، فنقرأ الآن اسم :
عبد الرضا ، وعبد الإمام ، وعبد
الحسين ، وعبد الزهرة ، وعبد الصاحب ، وهذه كلها أسماء معارضة للعبودية التي ينبغي
أن يكون عليها العبد ، وهي العبودية التامة لله وحده ، ظاهراً وباطناً ، حتى في
الأسماء .
حيدر : ولكن معنى العبودية في اللغة العربية واسع ويحتمل مترادفات
ومعان كثيرة ، فلم الاقتصار على جانب واحد ؟
خالد : أما الاستدلال على معنى
العبودية من اللغة وأن الكلمات فيها ترادف ، فهذا معلوم ويحدد من القرائن التي
تأتي في الكلام ، وهذا الأمر لا يكون مسوغاً للتسمية بعبد النبي أو بعبد الرسول أو
عبد الرضا وما شابهها من الأسماء ، فهذا لا ينبغي التسمي به لحديث المصطفى صلى
اللّه عليه وسلم : « أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن » . وذكره الكليني
في الكافي ( ج 6 ص 21 ) .
حيدر :
التسمي بأسماء الصالحين ، أو التي تسبق بعبد ( فلان ) ، يفعله الكثير من طوائف
المسلمين ، وليس الشيعة وحدهم ، فلم الإنكار علينا وحدنا ؟
خالد : يجيب عن هذا التساؤل
الدكتور الموسوي في كتاب « الشيعة والتصحيح » في ( ص 154 ) بقوله : « هذه الظاهرة
لا نجدها عند أية فرقة أخرى : من الفرق الإسلامية ، وحتى غير الإسلامية ، والشيعة
هي الطائفة الوحيدة التي تسلك مسلك العبودية لغير الله حتى في تسمية أولادها » .
والصحابه والأعراب وأهل المدينة
أعلم منا باللغة العربية ، وأكثر حباً للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فهل ثبت عن
واحد منهم أنه تسمى بعبد النبي أو عبد محمد ، بل ولن تجد مثل هذه الأسماء في الجيل
الذي جاء بعدهم ، لأنهم علموا أن العبودية لا تستعمل مطلقة إلا لله سبحانه ،
وتستعمل مقيدة للخادم ، لأن له عبودية مقيدة بزمن محدود ولسبب مخصوص ، وليس على
إطلاقه .
[42]
حيدر : أتعني أن مَن تسمى بهذه
الأسماء يكون قد دخل في دائرة الشرك ، مع أنه يشهد في كل صلاة بالشهادتين ، ويقر
بعبوديته لله سبحانه ؟
خالد : ينبغي أن نفرق بين الخطأ
في الأعمال والخطأ في الاعتقاد ، فخطأ الأعمال لا يُخرج صاحبه عن دائرة الإسلام ،
ولكن هذا لا يمنعنا أن نبين له زلته ، وننصحه ونرشده إلى الصواب وإلا انتقل
بإصراره وباستحلاله إلى أمر أشنع ، يقع في قلبه الذي هو محل الاعتقاد ، فإن كان في
القلب التصديق ، مع الإقرار بصحة هذا المنكر ، مثل التسمي بعبد النبي ، وأنَّ هذا
المسلم يظن أنه يمكن أن يكون عبداً للمخلوق ، فهو هنا في خطر شنيع ، يبلغ بصاحبه
إلى الشرك ، والعياذ بالله .
والمخطئ لا حرج عليه بعد التوبه ،
والابتعاد عن الزلة ، ولا ننسى قوله تعالى مادحاً خليله المصطفى صلى اللّه عليه
وسلم : { سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجد الأَقْصَا الذي بَاركْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آيَاتنَا إنَّهُ هُو السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (الإسراء : 1) .
فهذا المصطفى صلى اللّه عليه وسلم
يتواضع لله ليكون عبداً له ، ولتعلم يا أخ حيدر دلالة الحب ليست بالأسماء ، بل بالأقوال
والأفعال الصحيحة .
حيدر : التسمي بمثل هذه الأسماء ،
أيقودنا إلى مثل ما تقول من شرك وزلل ؟
خالد : باب الشرك متسع ، قد يدخل
فيه الأقوال أو الأفعال بل وحتى الأماكن أو الأزمنة ، فلهذا يحذر المسلم أشد الحذر
من دخوله من هذا الباب بمواقعته لهذا الضلال ، والتساهل في هذا الباب وعدم النصح
والإرشاد الصحيح ، سيجرنا إلى أن العوام وغيرهم سيظهر منهم الغلو في آل البيت !
حيدر : هل
لك من دليل يثبت ما تحذر من خوف ؟
[43]
خالد : الخوف ليس من العوام فقط ،
ولكن من مثل هذه الروايات التي تنص على :
1 - أنَّ الأئمة أعلم من الأنبياء
عليهم السلام - بحار الأنوار ( 26/193 ) .
2 - تفضيلهم للأئمة على الأنبياء ، وأن أولي العزم من الرسل إنما
صاروا أولي عزم ، بمحبتهم للأئمة - انظر بحار الأنوار ( 26/267 ) .
3 - أنَّ دعاء الأنبياء استُجيب بالتوسل والاستشفاع بالأئمة .
4 - أنَّ الأئمة لا يُحجب عنهم علم السماء والأرض والجنة والنار ،
وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض ويعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة -
أصول الكافي ( 1/316 ) .
5 - أنَّ الأئمة يعلمون متى يموتون ، وأنهم لا يموتون إلا باختيار
منهم - أصول الكافي ( 1/313 ) .
حيدر :
معاذ الله ، فماذا بقي للخالق سبحانه من صفات ووحدانية !
خالد : ويا ليت الأمر كان في
الكتب الماضية ، ولكن العهد بالغلو تجدد في كتب المعاصرين مثل كتاب ( الحكومة
الإسلامية للخميني ص 52 ) وذلك حين قيل : « فإن للأئمة مقاماً محموداً ، ودرجة
سامية ، وخلافة تكوينية ، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون ، وإن من
ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل » .
حيدر : لعل
المؤلف تراجع عن هذا القول قبل وفاته ، أو بدله في موضع آخر .
خالد : يا ليت ما تتمنى واقع ،
وإلا فماذا سنفعل في مقولته التي ذكرت في كتاب « زبدة الأربعين حديثا ص 232 » : «
اعلم أيها الحبيب ، أنَّ أهل بيت العصمة عليهم السلام ، يشاركون النبي صلى اللّه
عليه وسلم في مقامه الروحاني الغيبي قبل خلق العالم ، وأنوارهم كانت تسبح وتقدس
منذ ذلك الحين ، وهذا يفوق قدرة استيعاب الإنسان حتى من الناحية العلمية » ؟ !
[44]
والأمر العجيب الآخر حين تقرأ قول
المؤلف في كشف الأسرار ( 103 ) : « إننا بكل اعتزاز وثقة نقول إنه لا يوجد في
الشعوب الإسلامية من يقدس الله ، وينزهه مثل الشيعة ، أو يبرئه من أية نقيصة » .
فكيف بالله عليك يكون التنزيه
والاعتزاز والمسلم الشيعي العامي يقرأ مثل تلك الروايات ، وغيرها الكثير ، التي
تنص على بعض كرامات أبي الحسن رضي الله عنه ؟
حيدر :
تقصد مناقب الإمام علي رضي عليه السلام ؟
خالد : بل أقصد الآتي :
ا - أنَّ الله أحيا أهل الكهف
لعلي رضي الله عنه وأحيا له سام بن نوح .
2 - أنَّ عليًا رضي الله عنه سلمت عليه الحيتان وجعله الله إمام
الإنس والجن .
3 - أن الله تعالى جعل الجنة والنار بيد علي رضي الله عنه وجعل حصى
مسجد الكوفة ياقوتاً .
4 - أنَّ عليًا رضي الله عنه بمنزلة { قُلْ هُوَ
أَحَدٌ } .
5 - أن عليَا رضي الله عنه بإمكانه أن يُحي الموتى ليقروا له
بالولاية .
6 - أن نهر الفرات ضربه علي رضي الله عنه فتشهد وأقر بالولاية لعلي
.
وهذه الروايات وغيرها كثيرة
موجودة في كتاب زين الدين البياضي ( الصراط المستقيم ) .
حيدر : أعوذ بالله من الزلل ، هذا الأمر لم يقع لأحب الخلق إلى الله
سبحانه وهو المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف يتجرأ مسلم عاقل في نسبته لمن هو
أقل من النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا يقارن معه إطلاقاً ؟
[45]
خالد : نعم يا أخي الكريم ، وكنت
أتمنى أن أحصل على رسالة أو كتاب يبين كاتبها إلى أي شيء كان النبي صلى اللّه عليه
وسلم يدعو أهل مكة ؟ وعن أي شيء كان ينهاهم ويحذرهم ؟
فهذه الفترة استمرت قرابة ثلاث
عشرة سنة مكثها النبي صلى اللّه عليه وسلم في مكة للدعوة والإرشاد .
الخطأ يبدأ صغيراً لا يُأبه له ،
ثم ينتشر أمره من بعد التساهل ومع وجود علماء السوء وجهلة المسلمين ، حتى نجده قد
أصبح من أساسيات وضرورات الإسلام ، وهو لا يعدو كونه شركاً وغلواً في الدين
والعياذ بالله ، والله يقول سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ لا يغفر أَن
يُشْرَكَ بِهِ ويغفر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } (النساء :
48) ، فمن بعد ذلك ، هل يمكننا أن نقتلعه من قلوب الجهلة ؟ ولا حول ولا قوة إلا
بالله .
[46]
الصحابة
رضي الله عنهم
خالد : الحديث في الغلو في محبة
الآل يقودنا إلى الكلام عن الصحابة وعدالتهم وحفظهم في تبليغ الشرع الحنيف ،
وأيضاً في كيفية التأدب معهم وتوقيرهم .
حيدر : من
المُسَلَم به أنه ليس كل من عاش مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة أو مكة ،
نطلق عليه أنه صحابي ، عدلٌ مقبول الرواية ، ويُأخذ قوله في الأحكام الشرعية ، ذلك
لأن مجتمع المدينة كما أخبر الله سبحانه ممتلئ بالمنافقين ، والحاقدين على الدين ،
وكان التقاتل على الدنيا من دأب فئة من الذين كانوا حول النبي عليه السلام ، لذا
فكلمة « الصحابي » لفظ لا نطلقه على مَن فيه مثل هذه الصفات .
خالد : أما عن المنافقين ، فحالهم
معروف ويمكن إن يُستدل عليهم ، من تخلفهم عن صلاة الجماعة ، وعدم حرصهم على الخروج
إلى الجهاد في سبيل الله ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم كان يعلم أسماءهم ، ولكن
المفسدة المترتبة عن كشف أسمائهم كانت أعظم من المصلحة المفضية إلى التصريح عنهم ،
بل إنَّ حالهم وأفعالهم الظاهرة دالة على باطنهم ، والصحابة - رضوان الله عليهم -
كانوا على اتصال وثيق ومعرفة تامة ببعضهم ، بحكم معايشتهم لبعضهم البعض .
حيدر :
أتريد أن تفرق بين أهل النفاق والصحابة وتقول أن الصحابة كلهم عدول لا يخطئون ،
ويعُتمد عليهم في تبليغ الأحكام الشرعية ؟
خالد : لنفرق بين العدالة والحفظ
، والعلم والإيمان ، فهذه أمور متفرقة تجتمع في
[47]
قلب أحدهم وتتفاوت عند الآخر ،
أما قولنا بأنَّ الصحابة جميعهم عدول ، بمعنى أنهم لا يكذبون ، فهذا مما لا شك فيه
، والدليل على ذلك قوله تعالى : { وَالسَّابِقُونَ الأَولُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
وَالأَنصَارِ وَالَذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ } (التوبة : 100) ، ورضوان الله سبحانه لا ينزل على الكذابين ،
والدين كما هو معلوم مبني على صدق الاتباع ظاهراً وباطناً .
أما الحفظ ، فهم يتفاوتون في ذلك
، للطبيعة البشرية ، ، وللفروق الفردية بين كل واحد منهم ، وهذا مما لا جدال فيه ،
وكذلك العلم ، فنجد أن الخلفاء الأربعة ، يُعدون من أعلم الصحابة ، وكذلك زيد بن
ثابت وأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم ، وغيرهم كثير ، وهذا من فضل الله
عليهم أولاً ، ثم لقدرة المرء الطبيعية في تلقي وتحصيل العلوم .
وأما الإيمان ، فمعلوم أنه يزيد
وينقص ، والله سبحانه وتعالى قد مدح الصحابة بقوله : {
وَالَذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه وَالذِينَ آوَوْا
وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مغْفِرَةٌ وَرِزْق كَرِيم } (الأنفال
: 74) .
حيدر : إن
كان الأمر كما تقول ، فكيف يتقاتل المسلمون بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم ،
ويقوم أناس ضد خليفة المسلمين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ليغتصبوا الإمارة
منه ؟
خالد : بداية لنعلم أن الخطأ يقع
من الصحابة - رضي الله عنهم - مثل ما حصل في غزوة أحد كما قال تعالى : { إنَّ
الَّذِينَ تَوَلَوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ
الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إن اللهَ
غَفُورٌ حَلِيمٌ } (آل عمران
: 155 ) ، والصحابة يريد البعض من الكتّاب المعاصرين أن يجعلوهم
[48]
أناساً مثاليين ، لا يبدر منهم
الخطأ إطلاقاً ، ولكنهم في الحقيقة بشر يجتهدون ويصيبون ويخطئون ، والله يغفر لهم
زلتهم ويقبل توبتهم ، وما وقع بينهم ، إنما كان باجتهاد من البعض ، أخطأوا فيما
ذهبوا إليه ، والله سبحانه غفور رحيم .
واما اغتصاب الخلافة من أمير
المؤمنين علي - رضي الله عنه - فهذه مقولة لم يقلها أحد من العلماء المعتبرين ،
إنما كان خلافهم لأمر آخر ، وهو إمكانية إنفاذ الحكم والقصاص مباشرة في قتلة عثمان
رضي الله عنه أو تأخيره .
حيدر : النبي صلى اللّه عليه وسلم أخبر بكفر الفئة التي تقتل عمار بن
ياسر رضي الله عنه ، وقد كان هو في صف علي عليه السلام .
خالد : النبي صلى اللّه عليه وسلم
لم يقل بكفر الفئة التي تقتل عماراً إنما قال : « تقتله الفئة الباغية » ، ولنرجع
إلى معنى كلمة الباغية في اللغة العربية والتي تعني الظالمة أو المتجاوزة الحد ،
فأين الكفر في المسألة ؟ وينبغي علينا دائماً أن نفهم المعنى اللغوي المستخدم في
القرآن أو الحديث لنفهم المعنى المقصود .
حيدر : كل
من خرج على أمير المؤمنين فقد ظلم نفسه ، وأخطأ خطأ فادحاً ، وينبغي علينا أن نبين
للناس سوء ما فعل .
خالد : كأنك تريد التشهير
بالخارجين ضد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، ومن خلال الاطلاع على كتب التاريخ
لم أقرأ أن عليًا شهّر بحالهم وتكلم عليهم ، أفلا يسعنا ما وسع أمير المؤمنين ، من
أنه لم يكفرهم ولم يأمر بلعنهم ، فنقتدي بفعله ، ونكِل أمرهم إلى الله سبحانه .
حيدر : ذكر
العلامة السيد مرتضى العسكري ، في كتاب « خمسون ومائة صحابي مختلق » أن هناك أسماء
دُست بين الصحابة ، ومن أمثلة ذلك عبد الله بن سبأ .
[49]
خالد : للأسف ، لا زلت أسمع
الإنكار على وجود مثل هذه الشخصية مع أنها مذكورة في كتب الشيعة ، وخاصة كتب
الرجال والفرق مثل رجال الكشي ( ص 108 ) وفرق الشيعة للنوبختي ( ص 22 ) ، وكذلك
القمي في المقالات والفرق ( ص 22 ) ، وحوارنا تحديداً إنما هو عن صحابة يعرفهم
القاصي والداني ، وروايات أحاديثهم منتشرة ومستفيضة ، فإن كان هناك مثل ما تزعم ،
عدد من الصحابة مختلقة أسماؤهم ، فماذا نصنع بروايات آلاف غيرهم ، في المدينة ومكة
وما جاورهما ؟ وقد جاءت الكتب الموضحة لأسماء الصحابة وسيرتهم ، مثل كتاب أُسْد
الغابة وكتاب الاستيعاب والإصابة في تمييز الصحابة ، وكتب الحديث جمعت مرويات
الصحابة ، والمنصف مَنْ يجمع الموضوع من جميع جوانبه ثم يحكم بعد ذلك .
حيدر :
أعود إلى سؤال طرحته آنفاً ، كيف نفرق بين المؤمنين والمنافقين من الصحابة ؟
خالد : لنصحح السؤال « المنافقين
والمؤمنين في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم » فالصحبة شرف لا ينالها إلا المؤمنون
، ويمكن أن نعرفهم من الأمور الآتية :
1 - سيرتهم في حياة النبي صلى
اللّه عليه وسلم وبعد وفاته .
2 - حبهم لأهل الإيمان مثل حب علي - رضي الله عنه - وحب الأنصار
كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق
» .
3 - حب من أحبه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كأبي بكر وعائشة
وفاطمة رضي الله عنهم وغيرهم كثير .
4 - حب آل بيت النبي صلى اللّه عليه وسلم جميعهم ، ولا يفرق بين
أحد منهم مات على الإيمان .
وسبب التركيز على جانب الحب فقط ،
راجع إلى أن ديننا مبني على الحب والبغض في الله .
[50]
حيدر : هذا
الكلام جميل ولا غبارعليه ، ولكن أما ينبغي علينا أن نذكر كل صحابي بما يستحقه ؟
خالد : أنا وأنت نعلم يقيناً أن
الله تعالى إنما أمرنا بطاعته ، وطاعة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يأمرنا أو
يتعبدنا بذكر النقائص في فلان وفلان ووضع مناسبات لهذا الفعل ، وأما عن أخطاء
الصحابة فقد أمرنا الله بالآتي : { وَالذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي
قُلُوبِنَا غِلاًّ لَلّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوف رَّحِيم } (الحشر :
10) ، فهذا ما أُمرنا بفعله تجاه الصحابة ، وليس النقيصة وتجدد السباب واللعن على
أناس قد أفضوا إلى خالقهم .
حيدر :
كأنك تلُمّح إلى ما يفعله الدهماء من عوام الشيعة من أقوال شاذة لا تعبّر بالضرورة
عن معتقد المذهب .
خالد : العوام لا ينقادون بأنفسهم
، ولكنهم يتبعون ويسمعون العلماء ، فسبابهم لم يأتِ من فراغ ، بل جاء من قبل
روايات تأمر بالسب واللعن ، مثل :
* علامة الشيعة نعمة الله الجزائري يزعم في كتابه الأنوار
النعمانية ( ج ا/ب 1 ص 63 ) أن عمر - رضي الله عنه - مصاب بداء في دبره لا يهدأ
إلا بماء الرجال .
* المفسر القمي يفسر قوله تعالى : { فخانتاهما } من سورة
التحريم أي ارتكاب عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - الفاحشة ، والعياذ بالله .
* زين الدين البياضي يزعم في كتابه الصراط المستقيم ( 3/28 ) أن
عمر كان خبيث الأصل ، وجدته زانية .
[51]
وزين الدين البياضي في الصراط
المستقيم ( 3/30 ) أيضاً يزعم أن عثمان جامع امرأة زانية قبل أن يرجمها ، وأن
عثمان كان مخنثاً .
، وجاء في
تفسيرالعياشي ( 1/307 ) والصافي ( 1/511 ) تكفير الصديق والفاروق تحت تفسير قوله
تعالى : { إنَّ الذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ
كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنٍ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا
لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } . (النساء : 137) .
" تسمية أبي بكر بالفحشاء وعمر بالبغي في قوله تعالى : { وَينهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي } (النحل : 95 ) ، وهذا مذكور في
تفسير العياشي ( 2/289 ) والبرهان ( 2/381 ) والصافي ( 3/151 ) .
* محمد نبي التوسيركاني في كتابه لئالي الأخبار ( 4/92 ) يزعم أن
أشرف الأمكنة والأوقات للعن الصحابة هو المبال ( أماكن قضاء الحاجة ) حتى الخميني
غمز في مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم وطعن بهم !
حيدر : هذا غير ممكن صدوره من
الإمام الخميني قدس الله سره !
خالد : ينبغي أن تقرأ وصية
الخميني حيث قال : « إنني أدعى بجرأة أن الوضع الذي يتميز به الشعب الإيراني
وجماهيره المليونية ، في العصر الحاضر أفضل من أهل الحجاز في عهد النبي صلى اللّه
عليه وسلم .
وغيرها الكثير من الروايات التي
يتألم المسلم المحب للنبي صلى اللّه عليه وسلم من وجودها ، على زمرة صاحبها النبي
صلى اللّه عليه وسلم طوال حياته الطيبة ولم يُعْلَمْ عنها إلا كل خير يحبه الله -
تعالى - .
[52]
وإذا كان أمير المؤمنين - رضي
الله عنه - يكره أن يكون الناس سبَّابين ، فلم نجدد العهد بالأحقاد في كل سنة ؟ !
حيدر :
تغيير عادات الناس من أعسر الأمور وأصعبها ، فمن تطبّع على شيء ، نجده قد أصبح
طابعاً وملاصقاً لصاحبه ، فلا يستطيع تغييره أو الابتعاد عنه .
خالد : واجب العلماء أن تكون
مجالسهم ، مجالس علم وتربية وتزكية للنفوس ، لا مجالس زرع للأحقاد ، وبث ما يفرق
ويهدم الوحدة الوطنية في صفوف المجتمع الواحد ، وبين أفراده ، ولنتذكر كيف أن
الصحابة ومن جاء من بعدهم ، ممن سار على الحق ، يحب بعضهم بعضاً حتى تسموا بأسماء
مشاهير الصحابة وتداخلوا بينهم كالأسرة الواحدة ومن ذلك :
ا - أبوبكر وعثمان وعمر أبناء علي
بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
2 - عمر وطلحة أبناء الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -
.
3 - أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب زوجها هو عمر بن الخطاب - رضي
الله عنهم أجمعين - .
4 - فاطمة بنت الحسين بن علي زوجها هو عبدالله بن عمرو بن عثمان بن
عفان رضي الله عنه ، وسكينة بنت الحسين زوجها هو مصعب بن الزبير .
5 - عمر بن علي زين العابدين - رحمهم الله - .
6 - عائشة بنت علي الرضا - رحمهم
الله - .
7 - عائشة بنت جعفر الصادق -
رحمهم الله - .
[53]
8 - عائشة بنت علي الهادي - رحمهم
الله - .
فلم لا نقتدي بهم ، ونحفظ ألسنتنا
من السوء ، لأن هذا سبب متين لترابط القلوب والمجتمع بإذن الله تعالى ، واختلاف
الرأي لا يفسد للود والحب بين القلوب من مكان أبداً .
[54]
أبو
هريرة
حيدر :
أردت في المبحث السابق أن تبيِّن عدالة الصاحبة جميعهم ، وأنهم لا يكذبون في
أخبارهم ... إذاً ما قولك فيمن روى أحاديث تفوق قدرة البشر ؟
خالد : كأنك تريد أن نتكلم عن
رواية بعض الصحابة لأحاديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟
حيدر :
لنتناقش حول بعض المحدثين .
خالد : أما ترى أنه يجدر بنا إذاً
أن نتكلم حول أشهر المحدثين في زمن الصحابة .
حيدر : ومن تقصد بهذا ؟
خالد : أقصد عبدالرحمن بن صخر
الدوسي ، ذاك الصحابي الذي نذر نفسه لرواية حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولم
يحرص إلا على العلم .
حيدر : هذه
أول مرة أسمع بهذا الصحابي .
خالد : لا عتب عليك ، فهذا
الصحابي اشتهر بكنيته ولقبه أكثر من اسمه ، وأعني به أبا هريرة رضي الله عنه .
حيدر : نعم
تذكرته الآن ، فهو قد تكلم حوله العلامة حسين شرف الدين الموسوي في كتابه القيّم «
أبوهريرة » ويين ضعف روايات هذا الرجل ، بل إنَّ هذا الرجل أُثر عليه الجنون ، مما
أثرعلى رواياته للحديث .
خالد : قبل أن أعلق على نقلك هذا
، هل قرأت من كتب السنة شيئاً من سيرة هذا الصحابي الجليل ؟
حيدر :
للحق والأمانة أقول لا ، بل سمعت الكثير من رجال الدين عندما كانوا يخوضون في هذا
الصحابي ، ويذكرون أن جميع أحاديثه لا تصح .
[55]
خالد : لنناقش الأمر بروية وهدوء
.
حيدر : نعم
ما تقول ، فمتى أسلم هذا الرجل ؟
خالد : المشهور عن أبي هريرة -
رضي الله عنه - أنه أسلم سنة سبع من الهجرة ، بين الحديبية وخيبر ، وكان عمره
حينذاك نحو ثلائين سنة ، ثم قدم المدينة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم حين رجوعه
من خيبر ، وسكن « الصفّة » ولازم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ملازمة تامة ، يدور
معه حيثما دار ، ويأكل عنده في أغلب الأحيان إلى أن توفي صلى اللّه عليه وسلم .
حيدر :
ولكن الأمر المستغرب ، هو قوة حافظته وذاكرته عن بقية الصحابة .
خالد : هذا من بركة دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لما أن
شكا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم من سوء حفظه فقال له : افتح كساءك ، فبسطه ثم
قال له : ضمه إلي صدرك فضمه ، فما نسي حديثاً قط بعده أبداً .
حيدر : هذه
الرواية غريبة في سردها ، هلا تحققت منها يا أخ خالد !
خالد : هذه الرواية رواها البخاري
وغيره ، فهي صحيحة ولله الحمد ، وهي ليست عند علماء السَّنة وكتبهم فقط ، ولكنها
أيضاً موجودة في كتب الشيعة ، فقد جاء في الخرائج ( 1/75 ) وفي كتاب بحار الأنوار
( 18/913 ) في باب معجزاته صلى اللّه عليه وسلم واستجابة دعائه : أن أبا هريرة قال
لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم : إني أسمع منك الحديث الكثير أنساه . قال : ابسط
رداك كله ، وقال : فبسطته ، فوضع يده فيه ، ثم قال : ضمه . فضممته ، فما نسيت
حديثاً بعده » .
حيدر :
ولكن أبا هريرة يميزه أنه في وقت قصير روى الأحاديث الكثيرة التي لا تتناسب مع زمن
إسلامه !
[56]
خالد : ابتداءً أسألك يا أخ حيدر
، كم عدد الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟
حيدر : الآلاف الكثيرة من الأحاديث
.
خالد : لنكن دقيقين في الأمر ،
فأصحاب الكتب الستة ، والإمام مالك في موطئه رووا لأبي هريرة - رضي الله عنه - (
2218 ) أي قرابه الألفي حديث مما اتفقوا عليه ، وله في الصحيحين ، البخاري ومسلم
رحمهما الله ( 609 ) ستمائة وتسعة أحاديث ، اتفق البخاري ومسلم على ( 326 ) ثلاثمائة وستة وعشرين حديثاً منها ، فأين
الآلاف المؤلفة في الرواية ؟
حيدر : هذا ما سمعته من الكثير من
الأئمة ورجال الدين حول رواية هذا الرجل .
خالد :
أغلب الصحابة والعلماء أثنوا على أبي هريرة - رضي الله عنه - وعلى علمه كقول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أبو هريرة وعاء من العلم » .
وكقول الشافعي - رحمه الله - : «
أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره » .
وقال البخاري - رحمه الله تعالى -
: « روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم
، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره » .
حيدر : ولكن الذي ينتقد به أبوهريرة أنه ليس هناك رجل روى هذا
الكم الهائل من الأحاديث لوحده ، بل إن طاقة الإنسان الذهنية لا تتحمل مثل هذا
الشيء الخارق .
خالد : أولاً : هذا القدر من
التذكر وعدم النسيان حاصل ومتحقق لبركة دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي هريرة
رضي الله عنه .
[57]
ثانياً : رجل نذر نفسه لطلب العلم
وسماع أحاديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ألا يستطيع أن يلم من بعد ذلك بروايات
أكثر من غيره ؟
ثالثاً : كان له طلبة علم كثيرون
يتلقون عنه هذه الأحاديث .
رابعاً : الأحاديث المروية عن أبي
هريرة فيها القولية والفعلية والتقريرية .
خامساً : منها ما رواه عن غيره من
الصحابة رضوان الله عليهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم .
سادساً : من الأحاديث المذكورة عن
أبي هريرة رضي الله عنه أحاديث لا تصح في السند .
سابعاً : تفرغ رضي الله عنه للعلم
فقط .
ثامناً : تقول طاقة الإنسان لا
تتحمل ولا تستطيع ، هل بضعة آلاف من الأحاديث تبلغ على أكثر حد خمسة آلاف ،
ويسمعها الإنسان خلال أربع سنوات ، أمرها معجز أم ذاك الذي سمع أكثر مما تلقاه أبو
هريرة طوال عمره ؟
حيدر :
لعلك تعني أحد المعصومين من الأئمة !
خالد : لا ، بل هم رجال حالهم
كحال بقية الرجال ، بل لا يبلغون من فضل أبي هريرة - رضي الله عنهم - شيئاً ، ومن
هؤلاء ( أبان بن تغلب ) قال فيه الصادق : « إن أبان بن تغلب روى عني ثلاثين ألف
حديث ، فاروها عني » .
وهذا محمد بن مسلم بن رباح ، ذكر
النجاشي في كتابه الرجال ( 163 ) « أن محمداً سأل الباقر عن ثلاثين ألف حديث ،
وسأل الصادق عن ستة عشر ألف حديث » .
وهذا جابر بن يزيد الجعفي ، من
المكثرين في الرواية عن آل البيت ، فنقل
[58]
عنه الكشي في ترجمته ( 194 ) هذه
الرواية وهي : « رويت خمسين ألف حديث ما سمعه أحد مني » .
وقال الحر العاملي في خاتمة
الوسائل ( 20/151 ) عن جابر : « أنه روى سبعين ألف حديث عن الباقر ، وروى مائة
وأربعين ألف حديث » .
فهل أبوهريرة رضي الله عنه بلغ في
عدد أحاديثه ما بلغه هذا الرجل ؟
وللعلم فإن عبدالحسين هذا له كتاب
باسم « المراجعات » ذكر أمثال هؤلاء المفرطين في رواية الأخبار الشيعية ودافع عنهم
، فلم لم يلتمس ولو بشيء من الإنصاف العذر لأبي هريرة رضي الله عنه علىَ كثرة
روايته للحديث ؟
حيدر :
ولكن رواة الشيعة رحمهم الله تشهد لهم الكتب الحديثية بحسن السيرة والعدالة وقوة
الحفظ ، فلم الإنكار عليهم يا أخ خالد !
خالد : أما الحفظ فهذا لا يحتاج
إلى مناقشة ، وذلك لتناقض الروايات الشيعية في الكتب الأصلية ، أما العدالة وحسن
السيرة ، فلو تجشمت العناء شيئاً قليلاً ، وتصفحت بعض كتب الشيعة مثل رجال الكشي
وغيره ، لعلمت كيف كانت سيرة بعض رواة الشيعة المكثرين في الرواية ومن ذلك :
- عوف العقيلي ، روى
الكشي في رجاله ( 95 ) عن الفرات بن أحنف قال : العقيلي كان من أصحاب أمير
المؤمنين ، وكان خماراً ، ولكنه يؤدي الحديث كما سمع !!
- أبو حمزة الثمالي
ثابت بن دينار كان خماراً ، مثل ما جاء في كتاب رجال الكشي ( 76 ) وتنقيح المقال
للمامقاني ( 1/191 ) .
- علي بن حمزة
البطائني ، كان يسرق أموال المعصوم وخمس الشيعة ،
[59]
وقالوا عنه أنه من الواقفة
الملعونين الكذابين ، راجع كتاب « الواقفية دراسة تحليلية 1/418 » .
وغيرهم كثير ، فلا يشترط مبدأ
العدالة وحسن السيرة عند الشيعة ، ولكن يشفع لرواة الشيعة كثرة رواياتهم وقبولها
مناصرتهم لآل البيت رحمهم الله ، ولو كانت من أفواه الفساق !
حيدر : مع
كل ما ذكرته يا أخ خالد من روايات ، ولكن رواية أبي هريرة قد نبذها رجال العلم
الشيعة دلالة منهم على عدم الرضا بها ، لذا لن تجد أي مؤلف شيعي في الحديث ذكر
شيئاً من رواية هذا الرجل .
خالد : هذه من الملاحظات الوجيهة
يا أخ حيدر ، ولعلي أختم بها هذا النقاش الممتع .
الشيعة الأولون كانوا يعملون
بأحاديث أبوهريرة رضي الله عنه وكذلك أقواله وفتاويه ، ومن ذلك الحاج ميرزا حسين
النوري الطبرسي في كتابه مستدرك الوسائل ذكر جملة من أحاديث أبي هريرة رضي الله
عنه في كتاب الإجارة ( 14/28 ) بل الشيخ المفيد روى جملة من الروايات في كتاب
الأمالي ، وهي من أبي هريرة مثل ما جاء في صفحة ( 111 ، 112 ، 317 ) .
والشيخ الصدوق روى كذلك في كتاب «
معاني الأخبار » في صفحة ( 80 ، 90 ) . وكذلك في كتاب إكمال الدين في صفحة ( 136 )
وفي كتاب الخصال وثواب الأعمال . أيضاً ، وغيرها كثير جداً ، فلم الادعاء قبل
النظر والاطلاع ، ودائماً أقول وأكرر يا أخ حيدر إن مشكلة الشباب الشيعي الحريص
على الخير عدم اطلاعه على أمهات الكتب الشيعية
[60]
الأصلية ، وعدم استفساره وتأكده
من الأدلة التي يسوقها الكثير من القصاصين الذين اعتلوا منبر الرسول صلى اللّه
عليه وسلم .
حيدر :
إذاً الأمر ليس كما يدعيه بعض رجال الدين حول أبي هريرة !
خالد : نعم يا أخ حيدر ، فهذا
الرجل المبارك رضي الله عنه أجمع على قبول روايته علماء السنة وكذلك الأقدمون من
رجال الدين الشيعة ، ولن تجد أحداً يبغضه أو يرد روايته إلا ذلك الجاهل الذي لم
يشرح الله صدره لحب العلم الشرعي الصحيح .
ولو أنك سألت كل من يشتم أو ينتقص
من قدر أبي هريرة - رضي الله عنه -
لماذا هذا الحط من قدر هذا الصحابي الكريم ؟
وماذا قرأت عن سيرته ، وما الخطأ
الذي اقترفه هذا الإنسان في حق الإسلام ؟
لما وجدت جواباً شافياً ، ولكن كل
هذا التحقير نابع من فئة من المتعالمين الذين لم يقرأوا ولم يطلعوا على كتب السُنة
والشيعة ؟
حيدر :
ولكن من انتقد أحاديث أبي هريرة إنما كان يريد الخير وبيان الهدي النبوى الصحيح .
خالد : من ينتقص أبا هريرة - رضي
الله عنه - لا ينتقصه إلا لسبب واحد ذلك أنه يريد أن يطعن بالسُّنة الصحيحة ، فلم
يجد له من سبيل إلا بالطعن بمن نقل الأحاديث ، وكان أشهر هؤلاء النقلة أبو هريرة ،
وهو أكثرهم رواية للأحاديث .
ولنعلم أن أبا هريرة وأمثاله من
الصحابة رضوان الله عليهم اختصهم الله بعلمه سبحانه لينقلوا سنة نبيِّه صلى اللّه
عليه وسلم والتي فيها ما يحبه الله من شرع وهدي نبوي ، فلذا نحبهم لهذا الأمر
ولغيره من الأمور .
[61]
دعاء
صنمي قريش
حيدر : بما
أننا تحاورنا حول عدالة الصحابة ، واتهام بعض السنة لإخوانهم الشيعة بأنهم لا
ينُزلون الصحابة العدول منازلهم اللائقة بهم ، فلمِ نجد البعض من السنة يفتري على
الشيعة ، فيزعم أنهم يدعون في صلاتهم على الصحابة ؟
خالد : الصلاة وما فيها من أدعية
يجتهد فيها العبد لربه ، إنما هي سر بين العبد وربه لا يعلمه أحد من الخلق ، ولكن
ما تقوله إنما جاء لأن هناك أدعية شنيعة قبيحة يحض عليها فئة من العلماء ،
وينشرونها في كتبهم !
حيدر :
دعاء بهذا الوصف وموجود في كتب العلماء ، بالله عليك وما هو ؟
خالد : يطلق على هذا الدعاء «
دعاء صنمي قريش » والمراد بالصنمين هما الخليفة الأول الصديق وعمر الفاروق - رضي
الله عنهما - وأيضاً ابنتيهما عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - وهذا الدعاء جاء
ذكره عند :
ا - إبراهيم بن علي العاملي
المعروف بالكفعمي في كتاب المصباح ( 552 ) .
2 - الملا محمد باقر المجلسي في بحار الأنوار ( 85/337 ) .
3 - القاضي السيد نور الله الحسيني التستري في إحقاق الحق ( 1/337
) .
حيدر : مثل هذه الأدعية والأقوال يعُلم بداهة أنها مدسوسة في كتب
العلماء .
خالد : سبحان الله ! إذا أُلقي
علينا الذي نكرهه ، قلنا إما أنه مدسوس أو ضعيف ، أو قاله الإمام تقية ، ولِمَ
نسمع هذه الأعذار في وقت المناقشة فقط ، ولا نقرأها
[62]
في كتب لرجال الدين الشيعة فنجد
فيها دحضاً وإبطالاً لمثل هذه الأقوال والمؤلفات الشاذة ؟ بل لقد جاء هذا الدعاء
في كتاب ألف بالأردية ( الهنديه ) للمؤلف منظور حسين بعنوان « تحفة العوام مقبول
جديد » وذكر مؤلفه أنه مطابق لفتاوى تسعة من كبار المراجع ومنهم :
ا - السيد محسن الحكيم .
2 - السيد أبوالقاسم الخوئي .
3 - السيد روح الله الخميني .
4 - الحاج السيد محمود الحسيني الشاهرودي .
5 - الحاج سيد محمد كاظم شريعتمداري .
6 - السيد أبو الحسن الأصفهاني .
حيدر : ومن
هو اللذي نص على أن المقصود بالصنمين أبو بكر وعمر !
خالد : نص على ذلك جمع من العلماء
الشيعة منهم :
ا - أبوالسعادات أسعد بن
عبدالقاهر على ما في المصباح للكفعمي هامش (552) .
2 - محمد محسن الشهير بأغابزرك الطهراني في كتاب الذريعة إلى
تصانيف الشيعة ( 10/9 ) .
3 - المجلسي في بحار الأنوار ( 85/263 ) .
4 - محمد الكاشاني في قرة العيون ( 326 ) .
ولم يُعلم أن أحداً من هؤلاء أنكر
هذا الدعاء ، أو حتى انتقد وجوده
[63]
وكتابته ، بل إن آية الله العظمى
السيد شهاب الحسيني المرعشي في حاشيته على إحقاق الحق لنور الله الحسيني المرعشي (
1/337 هامش ) يقول : « ثم اعلم أن لأصحابنا شروحاً على هذا الدعاء منها الشرح
المذكور ( أي : كتاب شهاب المرعشي ) ومنها كتاب ضياء الخافقين لبعض العلماء من
تلاميذ الفاضل القزويني صاحب لسان الخواص ، ومنها شرح مشحون بالفوائد للمولى عيسى
بن علي الأردبيلي ، وكان من علماء زمان الصفوية ،
وكلها مخطوطة ، وبالجملة صدور هذا
الدعاء مما يطمئن به لنقل الأعاظم إياه في كتبهم واعتمادهم عليه » .
فمثل هذا الكم من الشروح ما هوإلا
دلالة على أهمية هذا الدعاء في قلوب علماء الشيعة .
حيدر : هل
بالإمكان ذكر شيء من الدعاء ؟
خالد : الدعاء طويل قرابة
الورقتين ومما جاء في هذا الدعاء الشنيع « اللهم العن صنمي قريش ، جبتيها
وطاغوتيها وافكيها وابنتيهما ، اللذين خالفا أمرك ، وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك
وعصيا رسولك وعاديا أولياءك وحرفا كتابك وعطلا أحكامك وأفسدا عبادك ، اللهم
العنهما وأنصارهما ... » .
فهل مثل هذا يصدر من مسلم عاقل
يريد أن يوحد صفوف المسلمين ، ويؤلف بين قلوبهم ؟ !
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم .
[64]
الاحتفالات
الإسلامية
حيدر : لا زلت أعجب من إخواننا السنة ، ومن نفورهم واستهجان البعض منهم
، على ما يقوم به الشيعة من احتفالات دالة على تعظيمهم للآل البيت ، ومن تخصيص
أيام تدل على فضلهم وعلو شأنهم ، وتجدد العهد بهم ، ويستلهمون من بعدها العظات
والعبر في سيرتهم الزكية .
خالد : إنزال الناس منازلهم أمر
مطلوب شرعاً ، بما لا يتعارض مع الشرع وينبغي علينا أن نتذكر قوله تعالى : { وَمَا
آتَاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْه فَانتَهُوا } (الحشر :
7) وقوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة } (الأحزاب
: 21) ، والنبي - صلى اللّه عليه وسلم - عاش قرابة ( 23 ) سنة وهو يشرع ويأمر
وينهى ، فلَم نعلم أنه خصص يوماً للاحتفال ، بسبب حادثة معينه كغزوة بدر أو فتح
مكة أو حتى لإسلام حمزة أو العباس رضي الله عنهم - أو لربما في حال ولادة الحسن أو
الحسين رضي الله عنهما بغية أخذ العبرة والعظة منها ، فضلاً عن المناسبات الحزينة
كمقتل حمزة وما حدث في غزوة أحد أو وفاة أم المؤمنين خديجة وغيرها كثير ، فهل غاب
عن أذهانهم هذا الأمر وعلمناه نحن من بعدهم ؟ !
أو هل نحن أشد حرصاً على الخير من
المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ومن كان معه !!
حيدر : وما
قولك في بعض أفعال الحج كالصلاة عند مقام إبراهيم والسعي بين الصفا والمروة بسبب
هاجر أم اسماعيل ، أو رجم الشيطان تأسياً بفعل الخليل إبراهيم !
خالد : مَن الذي أمرنا بفعل هذه
الأعمال ؟ ، أليس هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولو سألت الكثير
[65]
من العامة لِمَ ترمي في الحج ؟
لأجابك : لأن النبي فعل هذا الشيء ، ولو سألته لم تسعى بين الصفا والمروة ؟ لرد
عليك وقال : أليس النبي صلى اللّه عليه وسلم فعل وأمر بهذا الفعل . عفوية الرد
فيها دلالة على الفطرة السليمة والاتباع الشديد لأمر حبيبنا محمد صلى اللّه عليه
وسلم ، ووالله لربما غاب عن البعض الحكمة من العمل ، والمسلم يا أخ حيدر مطالب
بالاتباع دون إلزامه بمعرفة الحكمة .
حيدر :
ولكن العوام ما فعلوا مثل هذه الاحتفالات إلا من باب الحب للخير .
خالد : سبحان الله ما استحسن جاهل
عبادة مخصوصة ، بلا دليل أو نص إلا وتجد أن البدع تترى على فعله ، ونجد في المقابل
متعالماً يزيد من نفسه بعض العبادات الباطلة مما يزين للعوام أنها من الشرع ،
ومثال ذلك عيد النيروز !
حيدر : عيد
النيروز ! وما دخله بالدين وبحديثنا !
خالد : الذي أعلمه أن هذا العيد
متعلق بالسنة الفارسية ، ولا شأن له بالشريعة الإسلامية بتاتاً ، إذاً فما دليل
ذلك العالم الذي أفتى باستحباب الغسل والصيام لهذا اليوم ؟
حيدر : لَم يفتِ أيُّ عالمٍ معتبر بأي شيء لهذا اليوم الفارسي .
خالد : إذاً ماذا نفعل لتلك
الفتوى الموجودة في كتاب تحرير الوسيلة للخميني ( ج 1/98 ، 352 ) حيث جاء : « ومنها يوم الغدير وهو الثامن عشر من ذي
الحجة - يعني مندوبات الصيام - ومنها يوم النيروز » ، وذكر أيضاً أن من الأغسال
المندوبة غسل يوم العيدين ومنها يوم النيروز ، ونحن نعلم أن المندوب ( أي المستحب
) معناه أن لك الأجر إذا فعلت وليس عليك إثم إذا لم تفعل ، فأين الدليل الشرعي
لهذه الفتوى ؟
حيدر : هل تريد أن تطلق على هذه الأعمال أنها بدعة ، مع أن الأثر كله
مبني على أخذ العبرة والعظة ؟
[66]
خالد : البدعة تنشأ كما يلي ،
بادعاء أخذ العبرة أولاً في يوم مخصوص لأمر ما ، ومن ثم يوضع دعاء مخصوص بكيفية
مخصوصة ، ثم نجد المجلدات المؤلفة لهذا الفعل والأكل والشرب وتعطيل مصالح وأعمال
المسلمين ، وهل لهذا الفعل من سند أو دليل من الهدي النبوي ، لا بل اللهم إلا
الهوى والبعد عن جادة الحق .
ومع تكاثر البدع ، التي هي سبل
الضلال ، سيكثر معها الفساد وارتكاب المخالفات ، وما كان أصله فاسداً فلا يُجنى
منه إلا الثمر الفاسد .
[67]
عيد
الغدير
خالد : وبعد أن عرجنا على الحوار
حول حكم الاحتفالات التي تقيمها الشيعة خلال أيام السَّنة ، لنسلط الضوء حول أحدها
ونسوقه كمثال حول حوارنا .
حيدر : لله الحمد والمنة ، فالشيعة
لهم الاستدلال الصحيح والرواية المعتمدة أمام كل عمل يفعلونه .
خالد : لنتحاور حول عيد الغدير .
حيدر : هذه من المناسبات العزيزة على النفس ، الحبيبة إلى القلب ، لدى
الشيعة جميعاً ، وهذه الحادثة ثابتة في كتب الحديث ، لدى السنة والشيعة .
خالد : ألا ترى أن إعطاء هذا
اليوم مسمى العيد نحتاج فيه إلى دليل شرعي ، وإلا لكثرت علينا المناسبات ، مفرحة
كانت أو محزنة ، فالعامي مع مضى الأيام قد يزول من ذهنه المقصد من معنى كلمة عيد ،
ولربما يساويها بالعيد الشرعي وهو الفطر والأضحى .
حيدر : لا يذهب بك الفهم كل هذا
البعد والتشدد ، فالجاهل العامي لا يعُولُ عليه .
خالد :
العوام هم مقلدة للعلماء ، فإن أحسن العلماء ونصحوا وبينوا انقاد العوام إلى الحق
، وانصلح حالهم ، وإن أساءوا فلن ترى إلا العجائب ، وكما قال الخميني في كشف
الأسرار ( 99 ) :
« إن طهران يوجد فيها مشتر لكل متاع
، وإن أحداً لو ادعى الألوهية فإنه سيجد من يتبعه » .
أما ترى يا أخ حيدر أن المفهوم
الخاطئ قد جر العوام إلى صيام هذا اليوم
[68]
واعتقاد الأجر فيه ، والأجر كما
نعلم جميعاً أمر غيبي لا يعلمه إلا الله ، فأين الدليل ؟ !
حيدر : هل تريد أن تضعف من روايه
الغدير وتزعم أنها غير صحيحة .
خالد :
لنسلط الضوء على الرواية الصحيحة للغدير وهي كاللآتي : أخرج الإمام مسلم في صحيحه
بسنده عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال : قام رسول الله صلى اللّه عليه وسلم
يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمّا بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ
وذكّر ، ثم قال : « أما بعد ، ألا
أيها الناس ، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم
ثَقَلَيْن أولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به »
، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه ، ثم قال : « وأهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي
ثلاثاً » فسُئل زيد عن المقصود من أهل بيته فقال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل
بيته من حُرِم الصدقة بعده ، فسُئل : ومن هم ؟ قال : آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر
، وآل عباس .
حيدر :
ولكن هناك زيادات أخرى تدل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قال : « من كنت مولاه فعلي مولاه ... » ، وعلى
ضوء هذه الرواية فأنت تتفق معي من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد أخذ العهد من
الصحابة في هذا اليوم العظيم ، وهو يوم الغدير .
خالد :
حسناً ما قلت ، وهو الاستدلال بالنصوص على الأحكام وليس بالكلام الإنشائي فلنأخذ أحد النصوص الهامة من أحد الكتب
الشيعية المعتبرة وهو « نهج البلاغة » ( 3/7 ) وهذا النص كما يلي من قول علي رضي
الله عنه : « إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم
عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين
والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى ، فإن
[69]
خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة
ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما
تولى » .
حيدر :
مقولة النبي صلى اللّه عليه وسلم للصحابة إن وليهم هو علي رضي الله عنه ، أي أنه
من يتولى الأمر من بعده ، دليل واضح في قضية الإمامة ؟
خالد : اْين الدلالة على الخلافة
والإمارة ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول « ولي » وليس « متول » وشتان ما
بينهما في المعنى ، قال الفيروزآبادي صاحب القاموس : ( وأما مَا يظنه الشيعة أن في
الآية { إنما وليكم الله ... } أو في الحديث « من كنت مولاه » دلالة على أن علياً
رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمن الجهل المقطوع بخطأ
صاحبه ، فإن الوَلاية بالفتح ضد العداوة ، والاسم منها مولى وولي ، والوِلاية
بالكسر هي الإمارة ، ومنها والي ومتولي ) .
وأمير المؤمنين فضائله أكثر من أن
تحصى ، وهو من أزهد الناس بالدنيا حتى أنه - رضي الله عنه - قال عن الخلافة لما
أتته : « والله ما كانت لي في
الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها » . (
نهج البلاغة 2/184 ) .
والسؤال : لمَ الاحتفال والبهجة ،
وعلي - رضي الله عنه - لم يُخصص له إلا الدعاء بالَخير ، وهذا الأمر - أي الدعاء -
ثبت لكثير من الصحابه ، فلم نحتفل بمثل هذا ؟
وعدم الاحتفال بالغدير وغيره من
المناسبات مثل عيد ميلاد علي - رضي الله - وزفة القاسم وغيرها من المحدثات التي
ظهرت في التاريخ الإسلامي ، ليس فيه إنقاص لقدر أحد ، بقدر ما هو اتباع لهدي
المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، فيما شرع وأمر .
ولو كان الاحتفالً جائزاً
لاحتفلنا بيوم عام الجماعة .
حيدر : عام الجماعة ومتى تم هذا
الأمر .
[70]
خالد : العام الذي تنازل فيه
السيد الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الإمرة والإمامة إلى معاوية رضي الله عنه
حفظاً لدماء المسلمين ، فلو كانت الاحتفالات مشروعة لكان هذا اليوم من أفضل الأيام
.
ولكننا نلتزم بما ثبت ونبتعد عما
لم يثبت .
[71]
البكاء
على الحسين رضي الله عنه
خالد : لاحظت أنك بعد ذهابك إلى
الحسينية قد تغير لونك ، ورأيت الكآبة على محياك .
حيدر : من
يتذكر الفاجعة التي حلت بالإمام الحسين عليه السلام ، لابد وأن ينفطر قلبه كمداً
وحزناً على ما حدث .
خالد : ولكن هذه الحادثة قد مضى
عليها قروناً من الزمان ، ولا زال العهد يتجدد بها ، فما السبب ؟
حيدر :
الحزن أمره مشروع ، وكذلك البكاء ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد ذرف الدمع
حزناً على وفاة ابنه وعلى حمزة وغيرهم من الصحابة في وفاتهم ، فهل هناك أعظم من
مصابنا في أبي عبد الله عليه السلام ؟ !
خالد : الحزن والبكاء - عند
المسلم - أمرهما ليس بخاضع لقانون العاطفة والهوى فقط ، ولكن يُحكمان بهدي النبي
صلى اللّه عليه وسلم .
حيدر :
وكيف ذلك ؟
خالد : الحزن والعزاء على القريب
مدته ثلاثة أيام ، والزوجة لها عدة معلومة ، والبكاء بينّه لنا المصطفى صلى اللّه
عليه وسلم كيف يكون ؟ بقوله عليه الصلاة والسلام لما مات ابنه إبراهيم : « إن
القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يُرضي الله ، وإنا لفراقك يا إبراهيم
لمحزونون » .
ولم نسمع أبداً أو نقرأ أن النبي
صلى اللّه عليه وسلم جدد العهد بالأحزان على عمه الذي نصره أو زوجته خديجة أو على
حمزة ، وغيرهم كثير من الصحابة !
[72]
حيدر : وما الشيء الذى تستنكره مني في بكائي على الحسين عليه السلام ؟
خالد : يوم عاشوراء معلوم أمره من
أن الله نجى موسى من فرعون ، فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بصيامه شكراً لله
وزاد معه التاسع ليخالف اليهود ، ومن قَدَر الله أن يكون مقتل الحسين رضي الله عنه
في هذا اليوم وهذه موافقة قدرية ليس فيها حكم شرعي ، والمسلم يتبع القدر الشرعي
وليس القدر الكوني الذي ليس فيه أمر أو نهي ، فمن الذي أمرنا بتجديد العهد مع
الحسين رضي الله عنه في كل سنة ؟
وقد ثبت بالنص الصيام في هذا
اليوم ، من الأدلة التالية من كتب الشيعة :
أخرج الطوسي في الاستبصار ( 2/134
) والحر العاملي في وسائل الشيعة ( 7/337 ) عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه
أن علياً عليه السلام قال : « صوموا العاشوراء ، التاسع والعاشر ، فإنه يكفر ذنوب
سنة » .
وعن أبي الحسن عليه السلام قال :
« صام رسول الله صلى اللّه عليه
وسلم يوم عاشوراء » .
وجاء عن جعفر عن أبيه عليهما
السلام قال : « صيام عاشوراء كفارة سنة » .
حيدر : ومَن الذي أخبرك بأن الشيعة لا يصومون هذا اليوم ولا يتقربون
فيه إلى الله بالطاعة ؟
خالد : الصيام معلوم وقته من طلوع
الفجر إلى مغيب الشمس بنية العبادة ، وليس الصيام الذي يكون إلى الظهر ، ثم يأكل
الإنسان أطايب الطعام ويقول : أنا حزين في هذا اليوم .
حيدر : لمَ التشدد في هذه المسألة ؟ وأنا أعلم أنها لا تجُر إلى أمر
منكر ؟
خالد : الأمر ليس بخاف على
العقلاء مما يحدث في هذا اليوم من مخالفات شرعية ثبت النهي عنها ومنها :
[73]
ا - الصياح والنياحة .
2 - شق الجيوب واللطم على الوجه .
3 - ضرب الجسد بالسلاسل والسيوف وإنزال الدم .
4 - الأقوال التي فيها مبالغة بمدح الحسين - رضي الله عنه - في هذا
اليوم .
5 - اللعن والشتم الذي يصل إلى
تكفير الصحابة .
6 - إبطال سنة الصيام في هذا اليوم ، وحث العوام على الفطر والأكل
.
7 - تقديم النذور من لحم وأرز
وغيره كلها باسم الحسين رضي الله عنه .
8 - عدم الأمر بالمعروف وكف
العوام عن المخالفات .
9 - غرس البغضاء والأحقاد في قلوب العوام مما يؤدي إلى تفريق الوحدة
الدينية والوطنية .
10 - تحريم الزواج في هذا اليوم ، وكذلك المعاشرة بين الأزواج .
وغيرها كثير ، وكل هذه الأمور معلومة ومشاهدة وليس ثمة من ينكر .
حيدر :
ولكن الذي وقع على الحسين عليه السلام يتقطع له القلب حسرةَ وكمداً ، وهو أعظم
بلاء حل بالمسلمين .
خالد : أعظم مصاب نزل بالمسلمين
هو فقدهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى اللّه
عليه وسلم قال : « إذا أصيب أحدكم بمصيبة ؟ فليذكر مصيبته بي ؟ فإنها أعظم المصائب
» رواه الدارمي ومالك ، وكما قال الشاعر :
[74]
اصبر
لكل مصيبة وتجلــد واعلم
بأن المرء غير مخلد
فإذا
ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر
مصابك بالنبي محـمد
حيدر :
أخشى أن يفُهم من كلامك أن وفاة الحسين عليه السلام ، لم يكن لها أي أثر في نفوسنا
!
خالد : الحسين - رضي الله عنه -
هو ريحانة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة ، وقُتل مظلوماً
شهيداً ومثواه الفردوس الأعلي بإذن الله - سبحانه - وليس هذا محل حوارنا ، ولكن
أساس الحوار هو مَن الذي أفتى وجَوّز ما يُفعل في هذا اليوم من منكرات ، وقد ثبت
النهي عنها في كتب الشيعة ؟ ، ومن ذلك :
* « ذكر المجلسي في بحار الأنوار ( 82/103 ) : « النياحة عمل
الجاهلية » .
* وذكر ابن بابويه القمي في من لا يحضره الفقيه ( 2/271 ) قال : من ألفاظ رسول الله صلى اللّه عليه
وسلم الموجزة التي لم يُسبق إليها : « النياحة من عمل الجاهلية » وحتى مَن يحضر
ولا يفعل هذه الأفعال يكون عليه الوزر .
حيدر : مَن
لم يلطم ولم ينح ولم يرفع صوته بالعويل عليه إثم !
خالد : إذا حضر إلى مثل هذه
المجالس ، ولم ينصح ولم يدل العوام على الصواب ، فإنه آثم ، إن جلس معهم وشاركهم
في مجلسهم ، فقد روى المحدث الحر العاملي في وسائل الشيعة ( 2/915 ) عن الإمام
الصادق عن أبيه عليهم السلام قال : « نهى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن الرنة
عند المصيبة ، ونهى عن النياحة والاستماع إليها » .
[75]
فمَنْ هذا الذي تطوّع له نفسه بأن
يتشبه بأهل الجاهلية من اقتدائه بأعمالهم ، ويترك هدي الحبيب محمد صلى اللّه عليه
وسلم ، بل إن مثل هذه المآتم لا تغرس في قلوب الأبناء إلا الحقد والتفريق ،
والتنفير وتمزيق المجتمع في كل سنة ولا يلتئم الجرح إلا جُدد بالتذكار جُرح ، فهل
نتقي الله ونتبع خير الهدي ، أم نترك بعض السفهاء ليغرقوا سفينة الوطن بمثل هذه
المخالفات ؟ !
[76]
فضائل
الحج إلى قبر الحسين رضي الله عنه
خالد : ألا تلاحظ يا أخ حيدر أن
قضية تعظيم مقتل الحسين - رضي الله عنه - تولّد عنها مفاهيم خطيرة شنيعة لا
يتصورها مسلم عاقل !
حيدر :
هلاّ بينت هذا القول ، بمزيد من المثال ؟
خالد : حُسن النية والعاطفة
المحبة للخير ، إن لم يقدها صاحبها وفق ما أراد الله سبحانه ، لوجدت منها انقياداً
سهلاً إلى كل تخبط في العقلانية كما قال تعالى : { وَلَو اتَّبَعَ الْحَقُّ
أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ } (المؤمنون
: 71) وهذا ما فعله بالضبط فئة من المتعالمين والمنتفعين ، الذين قادوا العوام من
المسلمين الشيعة إلى وضع الحسين - رضي الله عنه - وقبره في مقام لا يليق به .
حيدر : هذا
قول شنيع ، ولابد لكلامك من بينه ودليل ، وإلا فإنك مُتقول على العلماء .
خالد : كثيراً ما كنت أسمع من
عوام السُّنة ، أن الأخوة الشيعة يقصدون قبر الحسين - رضي الله عنه - ويجعلون له
المكانة الجليلة والتي لربما تفوق في الحب بيت الله ويعتقدون أن القبر فيه من
البركة الشيء العظيم والتي لا توجد في أي مكان آخر ، وقلت في نفسي كأن هؤلاء الفئة
قد بالغوا في الأمر على عوام الشيعة ، ونسبوهم وقادوهم إلى باطل عظيم ، لعلهم منه
براء ومنزهون .
فعقدت العزم على التثبت والقراءة
، فوجدت أن ما قاله عوام السنة من خلال تجربتهم بالمحيطين بهم من الأخوة الشيعة
قليل من كثير ، وذكر لحال حاصل متحقق ، غافلٌ عنه البعض .
[77]
حيدر : هذا
والله القذف الصريح في أناس يشهدون أن لا إله الا الله وأن محمداً رسول الله !
خالد : جاء في فروع الكافي (
1/324 ) وثواب الأعمال ( لابن بابويه 52 ) وكامل الزيارات لابن قولويه ( 161 )
ووسائل الشيعة ( 10/348 ) : « أن زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجة ، وأفضل من
عشرين حجة وعمرة » .
وجاء في تهذيب الأحكام للطوسي (
2/16 ) ووسائل الشيعة ( 10/348 ) : أن أحد الشيعة قال لإمامه « إني حججت تسع عشرة
حجة ، وتسع عشرة عمرة ، فأجابه إمامه : حُجّ حجة أخرى واعتمر عُمرة أخرى ، تكتب لك
زيارة قبر الحسين » أي كأن من حج وقصد قبرَ الحسين أراح نفسه من عشرين حجة إلى بيت
الله ، وهذا فيه دلالة على ترغيب العوام بالحج إلى قبر الحسين - رضي الله عنه -
دون بيت الله المحرم !
حيدر : لعل
المقصود عدم هجر قبر الحسين عليه السلام والدعاء له .
خالد : وهل قبر الحسين معلوم
مكانه ؟ بل حتى قبر أمير المؤمنين على رضي الله عنهما .
حيدر :
ماذا تقول يا أخ خالد ، هل تريد أن تلغي الحقائق التاريخية !
خالد : تعلم أني لا أحب الكلام
الإنشائي متى ما وُجدت الحقائق ، أما عن موضع قبر علي - رضي الله عنه - فقد جاء في
تهذيب الكمال ( 13/305 ) عن أبي جعفر الصادق : « أن قبر علي جهل موضعه » .
وجاء في تاريخ بغداد ( 1/138 ) عن
مطين قوله : « لو علمت الشيعة قبر من هذا الذي يُزار بظاهر الكوفة لرجمتهُ ! هذا
قبر المغيرة بن شعبة » .
وكذلك الأمر لما استشهد الحسين
رضي الله عنه ، لا يعلم أحد بدليل صحيح أين الموضع الذي تم دفن الحسين رضي الله
عنه فيه !
[78]
حيدر : مع
هذا الذي قلته تاريخياً ، ولكن الأمر لم يصل إلى تعظيم زيارة قبر الحسين عليه
السلام ، ولكن فيه الترغيب وعدم هجر سبط النبي صلى اللّه عليه وسلم .
خالد : نرجع في حديثنا إلى أجر
زيارة قبر الحسين - رضي الله عنه - فياليت الأمر اقتصر على عشرين حجة ، بل بلغ
الأمر إلى ثمانين حجة ( ثواب الأعمال 52 ) وإلى مائة حجة مع رسول الله صلى اللّه
عليه وسلم ( وسائل الشيعة 10/350 )
، وبلغ الأجر إلى ألف حجة متقبلة ، وألف عمرة مبرورة ، وأجر ألف شهيد من
شهداء بدر ، وأجر ألف صائم ، وثواب ألف صدقة مقبولة ، وثواب ألف نسمة أريد بها وجه
الله .... وهذا كله جاء في وسائل الشيعة ( 1/353 ) وكامل الزيارات ( 143 ) وبحار
الأنوار ( 101/18 ) .
حيدر :
ولكن هذا فيه تقليل من شأن قصد بيت الله والحج إليه !
خالد : كما قلت يا أخ حيدر ، فنحن
نعلم مقدار الأجر إن قصدنا وحججنا لبيت الله وأقمنا الصلاة في المسجد الحرام ،
ولكنها بأي حال من الأحوال لا تبلغ لأجر زيارة واحدة إلى قبر الحسين ، وقد تم
تفضيله على الحج مثل ما ذكر الكليني في فروع الكافي ( 1/324 ) والطوسي في التهذيب
( 2/16 ) وغيرهم برواية : « من أتى قبر الحسين عارفاً بحقه ، في غير يوم عيد ، كتب
الله له عشرين حجة مبرورات مقبولات ... ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مائة حجة
ومائة عمرة ... ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه ، كتب الله له ألف حجة ، وألف عمرة
مبرورات متقبلات ، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل » .
حيدر : ومع
هذا كله فإن لبيت الله سبحانه من المكانة في القلوب الشيء الذي لا يقارن !