المبحث الثاني

إدعاء علماء الشيعة

أن عمر تزوج من شيطانة أو جنية تشبه (أم كلثوم)

 

هل تزوج عمر من جنية؟!

من الوجوه والمخارج التي يراها علماء الشيعة لتفسير زواج عمر من أم كلثوم أن التي تزوجها عمر إنما هي جنية من نجران تشبهت بأم كلثوم بنت علي بعد أن استدعاها أمير المؤمنين علي وأمرها بالامتثال له والتزوج من عمر بن الخطاب.

وهذه الرواية مذكورة في أكثر من كتاب من أمهات كتب الشيعة الإمامية، ويلهج بها أكثر من عالم، لذا رأيت بيانها.

ـ نقل نعمة الله الجزائري في (الأنوار النعمانية) هذا الوجه ونص كلامه:

<وأما الثاني وهو الوجه الخاص فقد رواه السيد العالم بهاء الدين علي بن عبدالحميد الحسيني النجفي في المجلد الأول من كتابه المسمى بالأنوار المضيئة قال: مما جاز لي روايته عن الشيخ السعيد محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ره) رفعه إلى عمر بن أذينة قال قلت لأبي عبدالله ـ عليه السلام ـ إن الناس يحتجون علينا أن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ زوج فلاناً ابنته أم كلثوم ـ وكان عليه السلام متكئاً فجلس، وقال: أتقبلون أن علياً ـ عليه السلام ـ أنكح فلاناً ابنته، إن قوماً يزعمون ذلك ما يهتدون إلى سواء السبيل ولا الرشاد، ثم صفق بيده وقال: سبحان الله ـ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يقدر أن يحول بينه وبينها كذبوا لم يكن ما قالوا. إن فلاناً خطب إلى علي ـ عليه السلام ـ بنته أم كلثوم فأبى فقال للعباس: والله لئن لم يزوجني لأنزعن منك السقاية وزمزم فأتى العباس علياً ـ عليه السلام ـ فكلمه فأبى عليه فألح عليه العباس فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام مشقة كلام الرجل على العباس وأنه سيفعل معه ما قال أرسل إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها: سحيقة بنت حريرية فأمرها فتمثلت في مثال (أم كلثوم) وحجبت الأبصار عن أم كلثوم بها، وبعث بها إلى الرجل فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوماً، وقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر للناس فقتل، فأخذت الميراث وانصرفت إلى نجران وأظهر أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أم كلثوم ـ وأقول وعلى هذا فحديث أول فرج غصبناه محمول على التقية والاتقاء من عوام الشيعة كما لا يخفى...>(1).

ـ وهذا النص ذكره غير واحد من علماء الشيعة في تفسير هذا الزواج ذكر نعمة الله الجزائري منهم: بهاء الدين علي بن عبدالحميد الحسني النجفي في الأنوار المضيئة. والشيخ محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد.

ـ ولاحظ قوله (والاتقاء من عوام الشيعة) فحتى عوام الشيعة أنفسهم يجوز التقية عليهم.

 

الرد والجواب:

ـ أيها القارئ الكريم هل يقبل عقلك هذه الرواية بكل ما تحويه؟!

أولاً: لقد دأب نعمة الله الجزائري على رواية الخرافات والسخافات في كتابه هذا الأنوار النعمانية، فمرة يروي أن العصفور يجب قتله لأنه سني يحب فلاناً وفلاناً ولا يتولى عليا ـ عليه السلام ـ ومن هنا وجب قتله [انظر الأنوار النعمانية ج1 ص53].

ومرة يروي عن مسخ بني أمية وزغاً [انظر الأنوار النعمانية ج4 ص56]، ورواياته كثيرة جداً هذا بخلاف ما يذكره من مجون ومن يطالع الفصل الذي عقده تحت عنوان (نور في المزاح والمطايبات والمضحكات)(2) يدرك ميل الرجل غير الطبيعي لروايات مثيرة للشهوة ومحركة لبواعث الغرائز هذا بخلاف كتابه (زهر الربيع) والفصل المعقود في نهاية الجزء الأول منه والذي يعف لساننا عن ذكر عنوانه(3).

وأنقل شهادة واحد من علماء الإمامية في كتابات العلامة: نعمة الله الجزائري حيث كتب محقق الكتاب (الأنوار النعمانية) في هامش ص801 تعليقاً على ما يذكره الجزائري وينقله في فصل (نور في المزاح والمطايبات والمضحكات).

قال: <والعجب من المصنف (ره) من نقله أمثال هذه الحكايات القبيحة في كتابه، ولذا حدثني من أثق به أن المجتهد الأكبر الفقيه المتضلع الكبير الحاج ميرزا أبو الحسن الشهير بـ (انكجي) رحمه الله كان يقول: لا يجوز مطالعة بعض الأبواب من كتب السيد الجزائري كهذا الباب من هذا الكتاب وسائر كتبه كزهر الربيع>(4).

فهذه شهادة من واحد من علماء القوم وهو محقق كتاب الأنوار النعمانية(5).

فهل يستوعب القارئ بعدما يطالع خرافات الجزائري في مجلداته الأربعة من الأنوار النعمانية هذه الخرافة أن علياً زوج عمر بن الخطاب جنية تشبه (أم كلثوم).

ثانياً: ومما يعجب له الحليم ويتحير له اللبيب ذكر اسم الجنية التي استدعاها علي ـ رضي الله عنه ـ فاسمها سحيقة واسم أبيها أو أمها حريرية ولا أعلم السبب وراء ذكر الاسم غير إتقان الحبكة في القصة الخرافية.

ثالثاً: لماذا يرسل علي لجنية من أهل نجران، ولماذا يهودية؟!!

هل الجنيات المسلمات لا يطاوعن علياً ـ رضي الله عنه ـ؟!

أو أن علياً ـ رضي الله عنه ـ ليس له سلطان إلا على الجنيات اليهوديات؟!

ولماذا الجنية من أهل نجران؟!

ألا يوجد جنيات في الأماكن المجاورة للمدينة؟!!

إن هذا أمر يدعو للعجب فلو كان لعلي فعلاً سلطان على الجن فكان من الممكن أن يأمر إحدى الجنيات من مكان قريب لتتشبه بأم كلثوم..؟!!

رابعاً: لو صدقنا قدرة علي ـ رضي الله عنه ـ وسلطانه على الجن من حيث استدعائهم وامتثالهم لأمره فيكون علي ـ رضي الله عنه ـ بذلك أفضل من سليمان عليه السلام ـ إذ كان لسليمان سلطان على الجن، ولعلي أيضاً سلطان، ولكن يفضله علي بمزية ـ وهي أن الله عز وجل لم يستجب لدعاء سليمان إذ دعا ربه <قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب> (ص/53 ـ 04).

والنص واضح لا يحتاج إلى شرح فالله عز وجل استجاب لدعاء سليمان عليه السلام وجعل له بإذن الله سلطاناً على الريح والجن... لكن يبدو أنه حدث استثناء بعد ذلك حيث رأينا هنا سلطاناً على الجن من قبل علي بن أبي طالب ـ  رضي الله عنه ـ كما تزعم الرواية.

ـ بل إن علياً بهذه الرواية يصبح أفضل من رسول الله وخاتم المرسلين ـ محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلم يكن للرسـول سلطان على الجن احتراماً لدعوة سليمان ـ عليه السلام ـ.

قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: >إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ـ أو كلمة نحوها ـ ليقطع على الصلاة فأمكنني الله تبارك وتعالى منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ >رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي< قال روح: فرده خاسئاً>(6).

ـ فهل يعقل أن علياً ـ رضي الله عنه ـ أفضل من سليمان عليه السلام ـ وأفضل من خاتم المرسلين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

نعم هناك بين علماء الشيعة خلاف في هل الأئمة المنصوص عليهم من علي بن أبي طالب حتى المهدي المنتظر أفضل من كل الأنبياء والرسل بما فيهم أولي العزم أم بغير أولي العزم على خلاف عند الشيعة الإمامية. وليس هذا موضع تفصيل هذا المعتقد لكن المراد أنه لم يقل أحد من علماء الشيعة على حد علمي أن علياً أفضل من رسول الله ـ أو لم يصرح أحد بذلك(7) فكيف نتقبل أن لعلي سلطان على الجن ولم يكن لرسول الله سلطان مثله؟!!

خامساً: ذكرت كتب التاريخ والسير أن أم كلثوم ولدت لعمر بن الخطاب زيداً ورقية فهل ولدتهم الجنية أيضاً أم أم كلثوم الحقيقية.

وسيأتي ذكر المراجع من أمهات كتب الشيعة التي تذكر ذلك بل وتذكر النكاح ذاته وكذلك مراجع أهل السنة في ذلك.

سادساً: في الرواية <فأخذت الميراث وانصرفت> وهل مات عمر بن الخطاب عن زوجته الجنية المزعومة دون غيرها من زوجات وأبناء أشهرهم من علماء المسلمين وصحابة رسول الله: عبدالله بن عمر، وأخته أم المؤمنين السيدة حفصة وكذا زوجات عمر بن الخطاب فهل يمكن أن يحتال عليهم لتأخذ الجنية الميراث وترحل إلى نجران؟!!

ـ إن عجبي ليس من هذه الرواية الخيالية بل الخرافية، وإنما شدة عجبي ممن يصدقون مثل هذه الروايات!! كيف تدخل عقولهم أصلاً؟!!

ـ سابعاً: في رواية الجزائري السابقة اسم الجنية (سحيقة بنت جريرية) وفي روايات أخرى يوردون اسمها (سحيقة بنت حريرية)(8).

فلا يعلم ما اسمها الحقيقي بنت جريرية أم بنت حريرية، وهذا فيما أرى مهم جداً، ولولا أنه لا يوجد في مكتبتي ولا تحت يدي مراجع تختص بضبط أسماء أعلام الجنيات لعرفنا ضبط الاسم وما حدث فيه من تصحيف  وتحريف.

 

الهوامش :

(1) الأنوار النعمانية ج1 ص38 ـ 48 فصل: نور مرتضوى.

(2) الفصل في الأنوار النعمانية ج4 ابتداءً من ص69 ـ 851.

(3) عنوان الفصل: (كتاب الأيك في معرفة .... علم لا منفعة فيه ولا ضرر) ص147 طبعة حديثة، 214 طبعة حجرية.

(4) الأنوار النعمانية ج4 ص801 الهامش.

(5) الذي كتب التعليقات في الهوامش العلامة: محمد علي القاضي الطباطبائي بن الحاج ميرزا باقر بن القاضي بن ميرزا محمد علي القاضي.

(6) الحديث في البخاري ورواه مسلم والنسائي من حديث شعبة وراجع تفسير ابن كثير فقد نقل الروايات كلها في تفسير الآية ج4 ص73 تفسير سورة ص.

(7) مع أن نعمة الله الجزائري كما ذكر في الأنوار النعمانية يقارن بين شجاعة علي وشجاعة رسول الله ويرى أن علياً أشجع وراجع في الأنوار النعمانية ذلك ج1 ص71 (نور نبوي).

(8) انظر تراجم أعلام النساء ص203 س5.